الثلاثاء، 2 يناير، 2007

ص 19 القاضى ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

القــــــاضى

قصة محمود البدوى


يشغل الأستاذ عبد العظيم مركز القاضى بمدينة القاهرة .. ولما كان سكنه فى الضاحية التى تقع فيها المحكمة التى يزاول فيها عمله ، فقد حرص على أن يخفى مركزه كقاض وهو يتعامل مع الجمهور .

ومع أن معظم البيوت قد خلت الآن من الشغالات وكل أنواع الخدم .. ولكن الأستاذ عبد العظيم رزقه الله بشغالة صغيرة جاءت مع زوجته مذ تزوج .. وظلت مقيمة لحسن معاملة الزوجة وللطابع الإنسانى فى الزوج القاضى نفسه .. فقد كان يريحها من الكثير من الأعمال .. ويشترى هو وزوجته معظم حاجات البيت .

وكان يركن عربته وهو راجع من عمله تحت العمارة التى يسكنها ويسعى بقدميه إلى شراء الفاكهة .. وكان تجارها فى صف واحد .. ويحملون نفس الطبع فى التعامل مع الزبون .. وكانت زوجته تبتاع هذه الأشياء من قبل .. فلما شكت له بأن بائعا منهم جذب من يدها كيس الفاكهة بغلظة وفظاعة وأخذ يبرطم لأنها ردته بلطف لغلوه فى الثمن .. منعها زوجها من وقتها أن تتعامل مع هؤلاء لأنه لا يحب أن يتدخل فى أمر من اختصاص البوليس .. وإذا كان البوليس غير موجود فى هذه الأمكنة فهو لايستطيع أن يوجده ..

والجمهور المتعامل مع هؤلاء التجار يعرف أنهم جميعا من قرية واحدة .. وقد احتكروا تجارة الفواكه واستغلوها بجهالة وجشع .. وأى شاب متخصص أو متعلم يفكر فى أن يزاول مثل هذا العمل يخنقونه فى شهر واحد بوسائلهم .

وعلى رأس هذه الجماعة رؤوسهم فى سوق روض الفرج .. وهم يستعملون طابع القوة فى معاملاتهم ويتحدون السلطة بجسارة .. فإذا سعر البطيخ أخفوه وكذلك البرتقال والعنب .. ويصبح المحل فى يوم وليلة يبيع المعلبات والبقالة .. ولا تدرى كيف انقلبت رخصة بائع الفاكهة فى ساعة واحدة إلى بقال .. وتاجر خردوات .. ولكنه استخفاف بكل القوانين والنظم .

***

وفى ظهر يوم لاحظ الأستاذ عبد العظيم وهو يركن العربة تحت العمارة .. وجود شابة تبيع البرتقال والموز والكمثرى .. تحت باكيه فى نفس الشارع .. فاشترى منها وهو مسرور لحسن معاملتها .. فهى لاتغلو فى السعر وتبيع أجود الأصناف وتتركه ينتقى ويختار .

وأصبح من ذلك الوقت يشترى منها .. وهو يعجب لحسن الصدف التى تسهل للناس الأمور .

ولاحظت البائعة .. أنه بعد أن يشترى يصعد إلى العمارة التى على يمينها مباشرة .

فسألته وهى تشير إلى العمارة :
ـ حضرتك ساكن هنا ..؟
ـ نعم .. فى الدور الخامس ..
ـ من اليـوم .. لاتتعـب يا بيـه .. وتحمـل أى شىء .. سأريحك أنا ..

وأصبحت تحمل طلباته إلى باب الشقة .. وعرفتها الست وسرت بها وأصبحت تكلفها بأشياء أخرى من متطلبات البيت .

***

وبعد ظهر يوم لم يجدها الأستاذ عبد العظيم فى مكانها .. كما أنها لم ترسل له راتب الفاكهة كعادتها .. وتصور أنها مريضة أو تركت عملها .. أو شغلت بعمل آخر ونسيها .

وبعد عشرة أيام رآها فى نفس المكان ومعها أقفاص الفاكهة .. وسر لعودتها .. وسألها :
ـ أين كنت ..؟
ـ طاردونى يا بيه .. وفى كل يوم لابد من الدفع .. والدفع من قوت العيال .. أنا بربى ثلاثة أيتام يا بيه .. واتحمل هذه المشقة بسببهم ..

وقال القاضى فى نفسه وهو يبتسم ويتألم لحديثها :
ـ هذه جريمة رشوة صريحة .. وأننى لا أستطيع أن أصدر حكما فيها ..
وسألها :
ـ ثم ما الذى حدث ..؟
ـ نصحنى بيه طيب مثل حضرتك .. أن أطلع رخصة .. وطلعت الرخصة .. والآن سأضع أصبعى فى عينه ..

وأشفق القاضى على بساطتها .. وسر لعودتها .. وكانت فى كل يوم تزداد أمامه طيبة وأمانة .. فوجوده أو غيابه لايغير من طريقتها فى المعاملة فهى دائما تختار أجود الأصناف .

وذات يوم قالت الست لزوجها وهى تبتسم كأنها ظفـرت بغنيمـة :
ـ اليوم سأزن الكيس الذى حملته البائعة ..
ووزنت ووجدته يفى ولا ينقص ويفيض بالكثير .. فقالت الست معقبة :
ـ هذه المرأة غريبة .. وسط هذه الجموع التى جبلت على الغش .. وتمادت فيه .. وما الذى جعل الناس تتمادى فى الغش على هذه الصورة ..
ورد زوجها :
ـ إنه التحول المادى الذى جرف كل شىء فى طريقه .. والعجلة إلى الكسب بأسرع الوسائل وأرخصها ..

وفكر القاضى فى نفسه ..
ـ وما الذى نعمله لنقطع هذا السيل المنهمر من الغش .. تضاعف العقوبة نجأر بالثواب والعقاب فى الآخرة .. لقد بح صوت الخطباء فى المساجد والكنائس ولا نتيجة ..

إن هذا يشبه الحملة إلى النظافة التى نشاهدها ونسمعها فى التليفزيون والراديو .. والتى أصبحت مضحكة ومدعاة إلى السخرية .. فبعد عشرات السنين من الفوضى .. والتسيب وسوء النظام نقول له الآن تنظم .. وتنظف .. وكفى ما كنت عليه من فوضى .

وكان الأستاذ عبد العظيم يسمع وهو يتحرك الشتائم البذيئة تخرج من الأفواه بسبب وبغير سبب .. وكان يسمع العراك .. ويرى سباق السيارات فى الشوارع إلى درجة جعلته يكره سيارته .. إنه يسمع بأذنيه الألفاظ التى يعاقب عليها القانون .. والتى تجر إلى السجن .. ويرى بعينيه فى كل خطوة يخطوها فى الشارع المخالفة التى تجر إلى العقوبة .. ولكنه لايستطيع إن يفعل شيئا .. إنه مقيد تماما لاحول له ولا قوة .

وكان من عادته إذا دخل المحكمة وهو ثائر الأعصاب مما رآه وسمعه فى الطريق .. أن يجلس نصف ساعة كاملة فى غرفة المداولة يشرب القهوة ويعاود هدوء نفسه .

***

وفى صباح يوم من أيام السبت دخل المحكمة صافى النفس .. ووجد أمامه عشرات القضايا .. أكثرها من المخالفات .. وكانت قاعة المحكمة الصغيرة غاصة بالجمهور ، فمع كل صاحب قضية الكثير من الأتباع .

ولكثرة القضايا فى ذلك اليوم ظل القاضى فى المحكمة حتى الساعة الرابعة مساء .

وبعد العصر قالت له زوجته وهى تقدم له طعام الغداء :
ـ فتحية .. جاءت لنا اليوم بموز ممتاز ..
ـ فتحية .. من هى فتحية ..؟
ـ البائعة التى تخدمنا منذ أكثر من سنة .. ألا تعرف اسمها ..؟
ـ والله ما عرفته .. وما سألتها قط .. فتحية .. فتحية ..
ورفع رأسه عن الطعام .. وتولاه السهوم ..
ـ مالك ..؟
ـ لقد مر اسم فتحية اليوم فى القضايا ..
ـ فتحية اسم متداول ..
ـ هذا صحيح ..
ـ ولكن ما نوع القضية ..؟
ـ مخالفة تسعيرة ..
ـ وحكمت عليها ..؟
ـ بالطبع .. الأوراق كاملة الاجراءات ..

قال القاضى هذا وهو يحاول أن يبعث السكينة إلى نفسه .. ولكن الشكوك ظلت تساوره ..

وظلت الزوجة قلقة فهى تعرف أن هذه البائعة مسكينة ولا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها ..

وقد تكون هى التى حكم عليها زوجها بالحبس والغرامة .. وجعلها الشك تنزل إلى الشارع لترى فتحية .. فوجدتها فى مكانها تبيع وبجانبها الأقفاص .. فتيقنت أنها ليست هى .. والتى صدر عليها الحكم هى أنثى غيرها .

***

وفى ظهر يوم وجد الناس فتحية البائعة .. واقفة وسط الشارع تصرخ كالمجنونة .. وبيدها ورقة ..

ـ حكموا علىّ بالحبس والغرامة .. وأنا لم أبع العنب .. خالفت التسعيرة فى العنب ياناس وما بعت العنب فى هذه السنة ولا هذا الموسم .. ماذا أفعل يا ناس يا مؤمنين ..؟

ـ زورى الحسين .. أقرئى فيهم الفاتحة فى الحسين ..
ـ أزور الحسين يا مساطيل .. يا تجار المخدرات .. يالمامة .. إنى أزور الحسين دائما .. هل هذا حل لمسكينة تربى ثلاثة يتامى .. لمن أتركهم يا مساطيل ..

وظلت المسكينة تولول وتصرخ فى جنون ..

***

ومر عليها واحد من الأفندية فتناول منها الورقة التى بيدها والتى كانت قد تسلمتها من المحضر فى صباح اليوم قبـــل أن تخرج من بيتها .. وقال لها الأفندى وقد عصره الألم ..
ـ يا ستى هذا حكم غيابى .. ويمكن المعارضة ..
ـ المعارضة .. الله يخليك .. ولا أحبس ..!
ـ أبدا بإذن الله لاحبس ولا غرامة ..

وتأمل الشاب وجهها كانت مليحة ووديعة تذيب قلب الجماد فى لوعتها ومحنتها ..

وقال لها برقة :
ـ وسأوصلك إلى محام .. يقوم بعمل كل شىء .. ولا يأخـذ أتعـابا .
ـ لا يأخذ أتعابا .. فى هذا الزمان .. الله ينصرك .. الله يخليك ..
ـ إن مكتبه قريب من هنا .. وسأكتب لك عنوانه فى ظهر هــذه الورقة .. والساعة السادسة مساء .. سأنتظر فى مكتبه ..

***

وفى الساعة السادسة وجدت هذا الأفندى فى انتظارها على الباب .. ودخل بها المكتب .. ورأت كاتب المحامى فى الصالة وحوله بعض أصحاب القضايا .

وجلست فتحية فى غرفة المحامى صامتة وطال جلوسها .. وكان الأفندى يقلب فى أوراق كثيرة أمامه ولما رفع رأسه سألته :
ـ أين المحامى ..؟
ـ أنا المحامى الذى حدثتك عنه .. يا ستى .. ولا تشغلى بالك ..
ـ الله يخليك ..
ـ وأنت .. ما بعت العنب ..
ـ أبدا يا بيه .. أبدا فى هذه السنة ..
ـ لفقوا لك قضية .. وما دمت لا تبيعين الأشياء المسعرة .. فقد وجدوها فى العنب ..
ـ أنا عارفه يا بيه .. ومن زمان يطاردنى .. ولكن كيف يحكم علىّ القاضى .. وأنا لم أذهب إلى المحكمة .. ولم يأخذ سؤالى ..
ـ القاضى أمامه الأوراق مستوفاة جميع الجراءات .. فلا بد من الحكم حضرت أو لم تحضرى .. وعبد العظيم بيه من أحسن القضاة عندنا ومشهور برقته وانسانيته ..

وسألت فتحية بسرعة لما سمعت اسم القاضى ..
ـ هو اسمه عبد العظيم بيه ..
ـ نعم ..
ـ إنى أخدمـه وأحمـل له الفاكهة إلى شقته .. فى عمارة الخشاب ..

فرد المحامى ليبعد عنها هذا الخاطر وإن كان على يقين أنه هو الذى تعنيه ..
ـ لابد انه تشابه فى الاسـماء .. وليس هو القاضى الذى تعرفينه ..

وقال المحامى لنفسه .. تقع هذه المسكينة فى الفخ الذى نصبوه لها .. وهناك مئات من التجار الجشعين يتاجرون فى قوت الشعب .. ويستغلونه بكل الطرق الشيطانية .. ويفلتون من قبضة القانون بوسائلهم الجهنمية .

***

ودون المحامى الشاب كل البيانات التى يعوزها للمعارضة .. وجعلها تعمل له توكيلا فى الشهر العقارى ودفع لها كل الرسوم واتخذ كل الاجراءات بسرعة .. ترك الكثير من القضايا إلى أجلها .. وتفرغ لهذه القضية .. كان وجه المرأة المسكينة التى تعول ثلاثة يتامى يتحرك أمامه فى كل خطوة .

وكان يعرف المآسى التى تحدث من الحكم الغيابى .. والوسائل الجهنمية التى يلجأ اليها أصحاب العمارات فى هذه الأيام لطرد السكان .. فالساكن فى الجيزة يعلنونه فى طنطا وفى قليوب .. ويوجدون له عنوانا مفتعلا ..

وكم تصدع رأسه من شر هذه الوسائل .. والتى يقع فى حبائلها غالبا السكان الذين يعملون فى الخارج والمسافرون لمدد طويلة .

***

ولما تحدد يوم الجلسة بكر فى الذهاب إلى مسكنها .. وكانت تشغل غرفتين فى بدروم .. وتلقته فى جلبابها الأسود والطرحة على رأسها .. وكأنها ترى ملاكا هبط عليها من السماء فى هذا العالم الذى تتحرك فيه الشياطين وتسيطر .

وقالت وهى خجلى :
ـ تفضل يا بيه ..
وقدمت له كرسيا .. فجلس حتى لا يجعلها تشعر بالخجل .. وظهر اليتامى أمامه فى لحظات سريعة لأن أمهم أغلقت عليهم الباب بسرعة .. وفكر فى مصيرهم بعد حبس أمهم ..

وقدمت الشاى فقال وهو يتناوله من يدها :
ـ جلسة المعارضة فى يوم الإثنين ..
ولاحظ الذعر على وجهها .. فأكمل
ـ وسأنتظرك على باب المحكمة قبل التاسعة صباحا .
وقالت وهى تبكى :
ـ سأذهب وأزور الحسين .. وأدعو لك يا بيه .. الله ينصرك .. الله يخليك ..

ولما خرجت وراءه إلى الطريق .. وركب سيارته وهى تبكى .. لم تكن تدرى أبكت لإنسانيته التى هزت مشاعرها .. أم لمصيرها الذى لم تكن تعرفه ولا تدرى ما يفعله بها القدر فى ذلك اليوم ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 2581984
=================================

ص 18 المسكين ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

المســكين

قصة محمود البدوى


لمح الأجزخانة مضاءة من بعيد .. فاستدار واتجه إليها بخطوات متأنية حذرة ..

وكانت الحركة فى هذا الشارع الطويل المعتم ، قليلة فى مثل هذه الساعة من الليل .. لأنه خال من الحوانيت ..

ولأن الضاحية الهادئة تعيش على المترددين على المستشفى الكبير فى النهار .. وعلى العيادة التى كونتها الجمعية الخيرية فى الشارع الثالث القريب من المستشفى .

والعيادة والمستشفى يقل زوارهما فى الليل .. لأن العيادة تغلق أبوابها .. والمستشفى يظل ساهرا لاستقبال الحوادث !

أما فى النهار فما أكثر المرضى الذين يترددون على العيادة التى أنشأتها الجمعية .. فهناك فرق واضح الدلالة بين زيارة طبيب فى عيادته بعشرة جنيهات للكشف .. وزيارته بخمسين قرشا فى عيادة الجمعية .

كان الجمهور فى الواقع يستريح جدا لمثل هذا التخفيض الملموس ، حتى وإن كانت طريقة المعاملة تختلف فى الحالتين .

ولهذا وجدت الأجزخانة فى هذا الحى .. أو أوجدها صاحبها بذكاء وكياسة ..

فالمرضى يخرجون من المستشفى والعيادة إلى الأجزخانة مباشرة وبيدهم تذكرة الطبيب .

وغالبا ما يقول لهم الطبيب وهو يكتب الدواء ، إذا سأله المريض ..!
ـ الدواء موجود يا دكتور ..؟
ـ موجود .. وتجده فى أجزخانة عبد الحليم على الناصية .. والذى لا تجده هناك ابحث عنه فى أجزخانة الاسعاف .

ودون تعب المشوار إلى الاسعاف .. يعثر المريض على كل طلباته من الدواء فى أجزخانة عبد الحليم .. فصاحبها كتلة من النشاط ، ويعمل كالنحلة .. ويدرك أن من أبرز عيوب الأجزخانة أن يسمع المريض كلمة .. ناقص فى السوق ..

وكان " زكريا " قد راقب هذه الأجزخانة ودار حولها وطاف سبعة أيام كاملة .. راقبها من بعيد ودخل فيها مرتين يشترى أدوية خفيفة الأسبرين والنوفالجين ..

وكان الذى يقابله ويبيع له الدكتور عبد الحليم نفسه .. ولكثرة مشاغل الدكتور وكثرة الرواد ، فإنه يبيع ويقبض الثمن دون أن يكون عنده وقت يسمح له بالتطلع إلى وجه الزبون ..

فهو يتناول الورقة المالية من الزبون .. فى الوقت الذى يكون فيه لف الدواء فى ورقة .. وأرجع له الباقى مع اللفة فى عملية سريعة ميسرة .. اعتاد عليها وألفها .. وإذا لم تكن هناك قروش معدنية .. فإنه يضع الريفو .. وأمثاله فى كرتونة كبيرة أمامه .. ليعوض بهذا النقص فى النقود ..

وقد تعجب إذا علمت أن الدكتور يقوم بكل هذا العمل وحده .. ويقوم به ساعات طويلة دون أن يظهر علية أى أثر للتعب .. أو تقرأ فى ملامح وجهه .. وتعابير دخائله النفسية .. أى تذمر أو ضجر ..

وقد تعلل هذا بأن الإيراد اليومى الكبير فى آخر الليل ينسيه كل مشقة .. وهذا السبب هو الأغلب والأعم فى الدافع النفسى للعمل .. أو أن يكون الدكتور قد صرف النظر عن مضايقات الزبائن وطرحها وراء ظهره كلية .. وأكثرهم من النساء .. وغالبيتهن تترك طبيب الكشف الذى كانت عنده منذ دقائق .. وتأخذ الشرح المطول على عمل الدواء وخصائصه من الدكتور عبد الحليم ..
وما تضايق قط ولا قال لواحدة :

ـ لقد كنت عند الدكتور مهران منذ لحظة يا ستى .. فلماذا لم تسأليه عن كل هذه الأشياء التى تطلبينها منى .. أنا صيدلى يا ستى .. ولست طبيبا باطنيا .. ولا طبيبا متخصصا فى أمراض النساء !؟

ما كان يقول ذلك لواحدة منهن قط .. بل كان يبتسم فى رقة .. ويجيب عن كل الأسئلة قدر علمه !

***

وعندما دخل " زكريا " الأجزخانة فى الليل .. لم يجد الدكتور عبد الحليم .. ووجد مكانه سيدة طالعته بوجهها المتجهم .. ولكنه لم ييأس وقرر أن يواصل المشوار ..

وجلس ساكنا على أحد الكراسى الخشبية الموجودة فى المدخل مجاورا للباب .. وسمع صوت السيدة وهى تحاور الزبائن على قلتهم .. الآتين إليها من أماكن بعيدة .. لأنهم يعرفون أنها الأجزخانة الوحيدة التى تظل .. ساهرة . . سمعها فى حدة صوتها وعصبيتها .. وقابل كل هذا بهدوء وسكينة ..

ورمقته فى مكانه مرتين .. بنظرة مستكشفة .. ولكنها لم توجه إليه أى كلام .. على اعتبار أنها اعتادت على مثل هذه الجلسة الساكنة الصامتة من المرضى الذين يخرجون من المستشفى إلى الأجزخانة مباشرة .. فتتركهم أولا لاسترداد أنفاسهم .

وكان هو يطالها من زاويته .. ويحاول أن يعرف كل خصائص طباعها .. لاحظ الصوت على حدته .. ولاحظ الوجه الجامد الذى ليس فيه نعومة الأنثى .. بل كثيرا ما تنتفض فيه عروق الجبهة بشكل واضح .. فى حالة الامتعاض من شىء لاتستطيع مغالبته ..

ولاحظ أنها تحرك ماكينة الحساب فى كل مرة .. وتضع النقود فى الدرج فى كل مرة كذلك بحركة رتيبة وسريعة .

ولم يبق فى الأجزخانة سواه .. وكان الحى كله يوحى بالكآبة والصمت والموت .. والشىء الوحيد الذى يدل على الحياة هو نور النيون المضىء باسم الأجزخانة .. والذى يلمع وينطفىء .

وحدجته بنظرها وسألته .. لما لم يتحرك ويسأل :
ـ أى خدمة ..!

فرد بصوت واضح :
ـ حقنة ..
ـ حاضر ..

وقال هو على الفور بصوت أكثر هدوءا مما قال فى السابق :

ـ فى الوريد .. والدكتور عبد الحليم اعتاد أن يعطيها لى .
ـ أنا زوجته ..
ـ تشرفنا ..
ـ ويمكن أن أعطيها لك فى الوريد مثله ..
ـ يسرنى أن تقومى بعمله ..

وسألته بعفوية ونباهة .. وقد بدأ الشك يساورها بعد أن تأملت وجهه .. سألته وهى توليه ظهرها وتعبث فى صفوف الأدوية على الرفوف ..

ـ حضرتك ساكن فى نفس العمارة ..
ـ فى الشارع ..!
ـ لم أرك من قبل قط ..

وقال فى نفسه ملتوية وضعيفة مع حدة صوتها .. ولكنها بدأت تشك ..!

ورد بلهجة قوية !

ـ وضرورى تعرفى وتشاهدى كل ساكن فى منشية البكرى ..؟
ـ أبدا .. الحق معك ..!

وخرجت من وراء الطاولة .. وبرزت قصيرة العود سمينة .. فى معطف أبيض قصير ومفتوح .. ووجهها فى جملة تقاطيعه لايدل على وسامة تريح البصر .. وكان زكريا يستريح للجميلة من النساء حتى وان كانت سليطة اللسان أو غبية .. أما هذه فلا ..!

وزاده وجهها توترا .. وبعدت عنه .. وانشغلت بالرفوف وحساب الإيراد .. وتصور أنها بعد الحقنة ستغلق وتمشى .. وقد تضيع منه الفرصة أو تتأجل .. أو يتمها على عجلة .. وهو لايحب العجلة فى مثل هذه الأمور ..

***

وكاد أن ينسى الشىء الذى جاء من أجله .. فقد طغى الألم على الياف لحمه .. وأصبح يحس به بحدة وضراوة .. وظهر أثره على وجهه ، فقد اختنق ، وبرزت عروقه ، ونفر الدم إلى صدغيه ، وأخذ فى مثل عمل المطرقة .. وغشيته دوامة أشبه بالغيبوبة ولكنه تماسك ..

وكان الشارع قد أقفر تماما .. وبدت الوحشة فيه .. ولكن الشارع الرئيسى القائم فيه المستشفى ، كان فيه بعض الحركة .. من السيارات .. وسابلة الطريق فى الليل الأسود .

وكان زكريا رغم تعبه متمالكا لأعصابه .. فأخذ يدور ببصره فى رفوف الأجزخانة ويحصيها .. ووجدها ثمانية .

وهناك سلم طويل .. كما أن هناك مخزنا بالداخل وضعت فيه علب الكرتون الصغيرة والكبيرة .. وحتى هذه وضعت بنظام .. ثم لافتات .. عن شركات الأدوية .. بارك ديفز وسيبا وساندوز .. ولعلها من عهد والد الدكتور عبد الحليم .. فالشركات الآن لاتعلن عن نفسها كما كانت تفعل من قبل .. لأن الجمهور يشترى الأدوية النافعة والضارة بسبب توتر الحياة وضيق الأنفاس فيها من الزحام .. الزحام ..

والمريض فى القاهرة وفى مصر بصفة عامة .. إما أن يذهب إلى الأضرحة وقبور أولياء الله الصالحين ويطلب من الراقدين فيها العون والشفـاء .. أو يتردد على الأجزخانات لمرض ظـاهر أو خفى ..

وهو فى الحالتين تعس ومسكين .. بل وفى أشد حالات المسكنة ..

وقد تأتى زيارة الأضرحة بحالة نفسية تستريح لها النفس ويشفى بعدها من المرض أو يخف تدريجيا ..

أما الدواء فهو فى أحسن حالاته سم قاتل .. وان نفع فى ظاهره .. كالحقنة التى يحملها زكريا .. والتى كاد أن ينساها فى دوامة تفكيره ..

ودارت السيدة وراء الطاولة وتنبه لها .. وهى مقبلة نحوه .. ووجهها لايزال على حاله ولكنه لان قليلا .. وأرخت جفنيها وهى تقترب من شاب لايتعدى الثلاثين من عمره .. وفى وجهه وسامة بادية وفى عينيه التألق والسواد اللذين تحبهما كل أنثى فى مثل سنها فهى أكبر منه بعشر سنوات طويلة ..

وقالت :
ـ هات الحقنة ..
فأخرجها من جيبه وناولها لها ..
فكأنما لسعتها عقرب ..
ـ هذه .. ؟!
ـ نعم مالها ..؟

ـ هذه الحقنة ممنوعة قانونا ..
بغلظة وحدة .. ونفرت عروق جبهتها كعادتها عندما تثار أعصابها
ـ وهل تطبقين القانون علىّ وحدى ..؟
ـ على كل الناس ..

ـ ولكن الدكتور عبد الحليم .. أعطانيها أكثر من مرة .. وهذا جعلنى أجىء إليه ..
ـ أما أنا .. فلا ..

ـ لماذا .. وأنا أقدر أن تكونى أكثر منه رحمة .. لأنك سيدة وتدركين مقدار ما أحس به من عذاب ..؟
ـ الأحسن لك أن تتعاطى الأفيون .. بدل من الحقنة لأنها قاتلة ..
ـ وأين أجده ..؟!

وضحك ورآها تضحك لأول مرة .. لانت ملامحها وكاد يتصورها جميلة .. وقد ظلمها من قبل فكم للابتسامة من سحر .. كم لها من سحر ..

ونظرت إليه طويلا .. طويلا .. وأدامت النظر .. وخشى من نظرتها ولكنه تماسك ..

وغيرت من لهجتها وسألته :
ـ متى بدأت تأخذ هذه الحقنة ..؟
ـ منذ سنة وتسعة أشهر ..
ـ سنة وتسعة أشهر ..

كررت كلامه برزانة
ـ أجل ..
ـ سرطان ..؟
ـ لا .. صدقينى سيارة .. وحدث ارتجاج فى المخ .. وكسر فى العظم وعالجت هذا وجبرت ذاك ولكن يبدو أن كل شىء تم على خطأ فاحش .. ولا ذنب لى .. وأصبحت أحس دوما بنشر فى عظامى .. وصداع رهيب فى رأسى واضطررت بعد طول عذاب أن الجأ لهذه الحقنة ..

وسكت .. ونظرت إليه بإشفاق ..

وأرخى هو رأسه .. وأخذ يقول لنفسه ..

ليس فيما قلته الحقيقة .. والحقيقة أننى كنت أسوق سيارة فى الليل بشارع النيل .. فصدمت لجنون السرعة رجلا كان يعبر الطريق .. ولم أقف ولم أتمهل لأعرف ما جرى للرجل المسكين .. لأن السيارة لم تكن سيارتى .. كانت سيارة زميل فى الدراسة .. ومع أن هذا لايمنع من الوقوف ولكنى لم أقف فقد كنت على موعد مع فتاة فى ملهى بالهرم .. ولم أجد الفتاة بالطبع .. ولكنى قتلت الرجل .. ولم أفكر حتى فى النظر إليه .. أو فى حمله .. ربما كان حيا .. وأبسط الأشياء أن أحمله إلى مستشفى ولكننى تركته من أجل عاهر فى ملهى !

من ميسالين .. إلى كليوباترا .. إلى كاترين .. وقبلهن امرأة العزيز .. والمرأة هى المرأة فى كل عصور التاريخ .. وعاد الرجل الذى كومته فى الشارع عاد إلىّ بلحمه .. عاد إلىّ فى كل ليلة فى صحوى ومنامى ..

لو رجعت إليه ونظرت حتى إلى وجهه لاسترحت .. لو نظرت إليه وتركته بعد ذلك فقد أستريح .. ولكنى تركت كل شىء يسبح فى ضباب المجهول .. فى ضباب العذاب الأبدى للإنسان ..

لو حملته فى السيارة والقيته فى النيل لكان أحسن وربما كان أخف حملا فى نفسى لأننى كنت أعرف أننى دفنته فى اليم .. ولكنى تركتـه فى الطريق وأنا لا أدرى أمـات هو أم لايزال فيـه رمق الحياة ..؟

ربما كان كهلا وقد يريحه الموت .. ولكنه كان يود أن يرى نظرة من إنسان قبل أن يموت .. يطالعه وجه بشرى فى مستشفى أو حتى فى الطريق ..

ولكنى تركت الرجل فى الظلام والعدم .. فجاء إلىّ فى كل ليلة ..
ووجدت بعد العذاب الطويل فى الحقنة الراحة ..

أنا أهرب من نفسى .. أهرب من جرمى .. أهرب من كل الوجوه التى رأيتها فى تلك الليلة المشئومة وأنا أسوق السيارة الملعونة .. وكأنهم كانوا يشيرون إلى شخصى بعد أن قتلت الرجل ويطاردوننى .. فى ضراوة وعنف .. وظلت المطاردة مستمرة ..

عبد الخالق .. وفوزى .. وكامل .. وعبد الرافع .. هؤلاء جميعا هم أصدقاء وزملاء دراسة فى الجامعة .. ولا صلة لى بأية جمعية دينية أو حزب سياسى .. أبدا .. أبدا .. أنا هارب من نفسى .. ومطارد .. وسأظل مطاردا ما دمت أعيش ولا حيلة فى ذلك .. ولكن مطاردة البرىء والمظلوم والعاجز .. تقلبه إلى وحش .. أو تجعله فى ضعف وعجز الموتى ..

ولا نفع لمثل هذا الإنسان فى الحياة ..

لانفع ولا خير يأتى منه لإنسان .. إنه ميت حى ..

كان يتمتـم .. ونسى نفســه تماما .. نسى ما جاء من أجله ..
وسألته السيدة ..!

ـ حضرتك بتكلمنى ..؟
ـ أبدا .. فقط .. أستعجل الحقنة ..
ـ حاضر .. بعد أن أفرغ ما فى يدى على طول .. والحقنة كما تعرف فى الداخل وراء هذا الحاجز .. وحدقت فى وجهه .. وما دار فى رأسها خمنته تيقنت منه الآن .. نفس الصورة التى رأتها فى الصحيفة وإن تغيرت بعض الملامح بفعل المرض والمعاناة ..

وأطرق زكريا برأسه .. ولكن لاحظها فى كل حركاتها .. حركت التليفون فى الداخل .. ثم وضعت السماعة ..

وقالت له برقة .. رآها ناعمة كجلد الحية ..
ـ دقيقة واحدة إلى أن تغلى الحقنة ..

وبصر بها .. تدخل فى جوف الأجزخانة .. ثم تخرج من الباب الداخلى إلى الشارع .. وحرك الحزام .. الذى وضع فيه المسدسين واستعد متأهبا لكل طارىء ..

إنها ذاهبة إلى تليفون تعرفه فى العمارة .. أو ذاهبة لتخبر أى شخص بوجوده .

وفى سرعة رهيبة .. اتجه زكريا .. إلى المكتب الذى وضعت فى درجه الإيراد .. وأخرج المفاتيح وهو يتطلع إلى كل ما حوله فى الداخل والخارج بعين الصقر ..

ومن الغريب أن أول مفتاح وضعه فى الدرج فتحه ..وأخرج رزمة الأوراق المالية .. وكانت قد حزمتها فى ضمة كبيرة .. ووضعها فى جيبه وخرج سريعا .. ويده على سلاحه ..

وعلى الرغم من سرعة هذه الحركة وعنفها .. وأنه يفعله لأول مرة .. وقد ينسيه الانفعال الذى تسببه أشياء كثيرة .. أشياء كثيرة لا تخطر على البال .

على الرغم من ذلك فإنه عاد يتذكر الحقنة التى فى جيبه .. بعد أن أصبح فى وسط الجمهور السابح فى بحر الليل .. وبعد أن أحس بالصداع وطرقات المطرقة ..

وتذكر طبيبا يعرفه فى عزبة النخل .. ذهب إليه مرة ليأخذ هذه الحقنة .. وعامله برفق وقدر ما هو عليه من ألم وتعاسه ..

وسريعا وجد نفسه يركب قطار المرج .. ووجد القطار مزدحما بالركاب .. ولعله كان آخر قطار يتحرك إلى هذه الضاحية .. فقد نسى جدول المواعيد .. كما نسى الكثير مما يجرى فى نهر الحياة .

ووجد الجمهور يتحدث عن الأشياء التى لايحب سماعها .. الأشياء التى تتكرر على السنتهم ولا يملونها أبدا .. الأغذية الفاسدة .. والمجمعات .. والبقالين .. والتجار .. والذى هرب والذى قبض عليه .. لاشىء يتحدثون عنه ويفكرون فيه غير الطعام .. ما يملأ البطن .. أما ما ينير العقل ويفتحه فلا .. ما يهذب المشاعر .. والسلوك .. ويفرق بين الإنسان والحيوان .. فلا .. انهم كأبطال تشيكوف فى مسرحية " بستان الكرز " لاحديث لهم غير الطعام ..

لا شىء غير الطعام .. ولا شىء يملأ بطونهم .. ولا شىء يشبعهم .. ولا شىء يشبع نهمهم .. وبطونهم المتعطشة للطعام .. التفكير والسعى كله فى نطاق حيوانى بحت .. نوروا عقولكم وسعوا مدارككم .. أنتم شر فسادا من المفسدين والمضللين .. وأنتم الذين أوجدتم الرشوة والفساد والاهمال لأن هذه الأشياء كلها خرجت منكم ..

قبل أن تركبوا هذا القطار .. هل نظرتم إلى تمثال رمسـيس .. انه على مرمى البصـر من كل إنســان يتحرك هنا ..

انظروا إلى التمثال وتأملوا ودققوا النظر .. انه أعظم شىء نحته وصنعه فنان .. إن ميكائيل انجلو يركع أمام صانعه .. وأمام عظمته ..

نحته صانع مصرى من أجدادكم ..

أنظروا إلى الأهرامات .. أنظروا إلى التوابيت والتماثيل فى المتحف .. أنظروا إلى الأجسام المحنطة التى لاتزال وجوهها تنطق بالحياة .. ولو كلمتها لردت عليك ! ولا أحد يتصور أن هؤلاء موتى ! .

ســنابل القمح .. وأطبـاق الطعـام .. يا للروعة .. أى مجد ..

هؤلاء هم أجدادكم أيها الحمقى .. فلماذا تخلفتم عنهم .. من صلبهم خرجنا .. وسرنا ..

شعر زكريا بضيق شديد .. ونظر فى وجهه المصفر راكب .. فسأله :
ـ حضرتك تعبان ..؟
ـ لا .. وليس هذا من شأنك .. هل طلبت منك المساعدة ؟
ـ آسف ..

وحول الراكب وجهه .. ولم يأسف زكريا لأنه كلم الرجل بجفاء .. لم يأسف لأنه كان يشعر بالغيظ .. بالغيظ يتفجر من داخله .. وبالتعب الشديد ..

ولما صعد إلى شقة الطبيب كان المسدس فى يده .. وفتحت له فتاة صغيرة الباب فخجل من نفسه ورد المسدس إلى جرابه .. وفكر فى أن يعطى هذه الفتاة الجميلة لفة الأوراق المالية التى فى جيبه .. اللفة كلها ويعدل عن السفر للخارج .. يعدل نهائيا ..

ووضع يده فى جيبه ليخرج الأوراق ..
وعندما جاء الطبيب من الداخل .. وجد " زكريا " ساقطا على الباب .
=================================
نشرت القصة فى صحيفة مايو المصرية بتاريخ 2861982

ص 17 المشلولة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

المشلولة
قصة محمود البدوى


أعطانى الحاج أبو اسماعيل المفتاح .. وسافرت فى قطار الظهر .. وكانت الشقة فى شارع " المقريزى " وكنت أعرف الشارع والحى ولكن لم أدخل الشقة من قبل أبدا ..

وتأخر القطار خمس ساعات كاملة لانقلاب عربات بضاعة فى الخط .. ووصلت محطة القاهرة فى الثلث الأول من الليل بدل أن أصل قبل الغروب ..

وركبت المصعد إلى الشقة .. وضغطت على الزرار وكانت فى الدور الخامس .. ولما وضعت المفتاح فى القفل استعصى علىّ .. وسمع حركة القفل فى الباب شخص فى الداخل .. ففتح لى الباب وهو يقول :
ـ تفضل ..
وجرت الشغالة إلى الداخل بعد أن فتحت الباب وهى تصيح :
ـ البيه .. وصل يا ستى ..
ـ البيه .. وصل ..

وجلست على أول مقعد فى الصالة .. وأنا أحاول أن أحدد كل ما وقع من خطأ .. فأنا أخطأت فى الشقة .. وقد أكون أخطأت فى العمارة كذلك .. فالعمارات فى هذا الشارع متشابهة فى الطراز والحجم .. ومع يقينى بوقوع الخطأ ولكنى بقيت فى مكانى .. أتطلع إلى ما حولى على ضوء ثلاثة مصابيح أشعلتهم الشغالة مرة واحدة .. كأنها تحتفل بقدومى .. ساعة حائط كبيرة تدق .. وصورة زيتية لمنظر فى النيل ..

ثم صورة لشاب فى الثلاثين من عمره .. وقد تهندم أمام المصور وبرز فى أحسن حالاته .. وكان وجها سمينا .. وعيناه تتطلعان إلى شخصى ، مهما حاولت الابتعاد عنه .. ومن الغريب أننى وجدته قريب الشبه منى إلى حد مذهل ..

وكنت قد وضعت جانبا .. كيسا من التفاح اشتريته وأنا خارج من المحطة فى ميدان رمسيس .. فأخذته الشغالة إلى المطبخ وهى تصيح ..
ـ البيه .. جاء لك بتفاح حلو .. يا ستى ..
ـ مرسى .. خليه .. يتفضل يا سنية .. أنا صاحية ..

وعادت الشغالة تقول لى :
ـ تفضل .. عند الست .. هى صاحية ..
ـ حاضر .. بعد قليل .. لتأخذ هى راحتها أولا ..

وأدركت من مصدر الصوت أن الست مستريحة فى أول باب فى مواجهتى من الصالة .. وبعد أن فتحت الشغالة الباب ودخلت وخرجت منه .. استطعت أن أرى بعض محتويات الحجرة .. كالسرير .. وطاولة الزينة .. ومرآة الدولاب .. التى تكاد تعكس الشخص النائم فى الفراش ..

ولم يكن طابع الفضول هو الذى أبقانى فى المكان بعد أن أدركت مقدار ما وقعت فيه من خطأ .. وأننى دخلت مكانا لايمت لى بأية صلة .. ولا أعرف أحدا فيه ..

وإنما وجدت شيئا رهيبا .. فوق طاقتى يسمرنى بالمقعد الذى أجلس عليه .. كما أن التعب وسوء الحظ لازمنى طوال السفر .. بعد أن تعطل القطار جعلانى فى حالة من البلادة التى تلازم الكثير من الناس إذا وضعتهم الأقدار فى مثل موقفى ..

فقد وجدت بعد التعب ومشقة السفر .. مقعدا مريحا أرحت جسمى عليه فى شقة جميلة .. هادئة .. ليس فيها صراخ أطفال ، ولا صوت راديو .. ولامأتم وندب تليفزيونى ..

جلست فى مكانى شبه نائم وشبه حالم .. ونسيت كل ما يترتب على وجودى فى هذا المكان من عواقب .. فمجرد صرخة فزع من السيدة التى بالداخل إذا وقع بصرها على شخصى .. سيكون فيها هلاكى ..!

دار هذا الخاطر فى رأسى وأنا جالس ، ودار ما هو أكثر منه احتمالا .. ولكن مع ذلك بقيت ساكنا أتطلع إلى ضوء المصابيح الثلاثة التى تتراقص فى الصالة .. وقدرت انقطاع النور .. وهذا يحدث الآن فى أحياء القاهرة فى كل ساعة وحين ..

وفى الظلام الأسود تكون كل أركان الجريمة قد نسجت خيوطها حولى .. بإحكام يفوق كل تطلعات الذهن البشرى ..

وفى جيبى المسدس .. وأنا كريفى أتحرك به دائما لصق محفظتى .. ولكن من يفهم هذا .. من يفهم .. إذا دارت عجلة الظلام .. وطال دوارها .. وامتد وامتد ..

ولكن النور لم ينقطع .. وظلت مصابيح الكهرباء تتلألأ ..

***

وطلبت من الشغالة كوب ماء .. فنظرت إلى وجهى وقالت بنعومة :
ـ سأعمل لك قهوة .. يا بيه .. ظاهر عليك التعب .. وكانت نصف .. ووديعة ..
وقلت لها وهى تتحرك :
ـ كتر خيرك ..

وغابت تصنع القهوة .. وخيم السكون المطبق على الشقة .. ولم أعد أسمع كلام السيدة .. ولم أر من مكانى حركة لفراشها على السرير .. لعلها نامت أو استسلمت لرقادها ..

وجاءت الشغالة بالقهوة وهى تقول :
ـ أتريد حضرتك شيئا آخر ..؟ أنا مروحة ..
ـ مروحة ..؟
ـ نعم .. والعشاء .. على السفرة ..
ـ مروحة .. الآن .. كيف ..؟
ـ أروح بالليل لأولادى .. يا بيه ..
ـ والست تعرف هذا ..؟
ـ نعم وسأحضر بدرى .. قبل الشمس .. لأن الست تعبانة وحضرتك رايح شغلك .. فلا نتركها وحدها ..
ـ وكيف تتركينها الآن وحدها .. وهى تعبانة ..؟
ـ لأن حضرتك عدت من السفر .. جاء للست خطاب بأنك ستحضر مساء اليوم ..
ـ مساء اليوم ..!!
ـ وقرأته الست بدرية .. قريبة الست .. ولما علمت بحضورك مساء اليوم روحت .. وجعلتنى أبقى إلى أن تحضر ..
ـ والست تعبانة إلى هذه الدرجة ..؟
ـ إنها لاتتحرك من سريرها .. ركبها ..
ولم تشأ كشابة من بنات البلد الحسنة التهذيب والتى تحسن انتقاء الألفاظ .. أن تقول مشلولة .. بل اكتفت بأن قالت ركبها تعبانة ..

وقلت لسنية .. حتى لا أكشف نفسى بأنى غريب ومتورط ..!
ـ والسيدة بدرية لاتزال فى مسكنها القريب منا ..
ـ إنها فى العمارة 34 جنبنا على طول ..
ـ جنبنا على طول .. إذن أنا أخذت مفتاح الشقة فى العمارة 32 ولم يحدث أى خطأ .. وقد أكون فى شقة توفيق .. ولكن توفيق أعزب .. ويعيش وحده .. وسافر منذ سنتين .. وقد ترك المفتاح لأبيه الحاج أبو اسماعيل لينزل فيها فى غدوه ورواحه إلى القاهرة .. وليحافظ عليها .. وعلى نظافتها .. ولم يشأ قط أن يؤجرها مفروشة .. لأن فى هذا ما يعد ابتذالا لوضع الأسرة فى الصعيد .. لأن الحاج أبو اسماعيل نفسه لايحب أن ينزل فى فنادق القاهرة بعد أن لمت كل من هب ودب ..!

وظلت الشغالة تعود وتذهب إلى المطبخ .. ثم دلفت إلى حجرة الست .. وعادت مرة أخرى إلى المطبخ ..
وسمعتها تقول وهى على الباب الخارجى :
ـ تصبح على خير .. يا بيه ..
ـ تصبحى على خير .. يا سنية .. تعالى بدرى ..
ـ قبل الشمس .. وسأصحيك ..
وسحبت الباب الخارجى وراءها وخرجت ..

***

وبقيت وحدى .. اتطلع إلى الجدران .. وإلى السكون المخيم .. وخيل إلىَّ أن الست نامت .. ولكنى سمعت صوتها وهى تقول :
ـ تعال .. يا منير .. أنا مشتاقة إايك .. وصاحية .. وطيبة ..
ـ كنت عندك .. منذ لحظات .. ووجدتك نائمة ولم أشأ أن أوقظك .. ورأيتك أكثر جمالا ونضارة مما كنت .. وليس على وجهك أى علامة للمرض ..
ـ دخلت .. ورأيتنى ..؟
ـ نعم .. منذ لحظات ..
ـ ولم أحس بك ..!
ـ كنت نائمة ..
ـ إننى دائما .. أنام وأصحو .. وعيناى سادرتان هدمنى المرض .. بعد زواجنا بستة أشهر فقط سافرت يا منير ولم أشأ أن أحرمك من هذه المنحة .. منحة ألمانيا الغربية .. إنها فرصة العمر ..
ووجدت لسانى يردد كلامها :
ـ فرصة العمر ..
ـ ولكن فرصة العمر .. انقلبت علىَّ .. وطحنتنى .. ثلاثون يوما مرت كثلاثين سنة من العذاب .. وأنا على هذه الحالة .. لا أقوى على الحركة .. ولا حتى التفكير .. تعطلت فيها كل خلايا حياتى ..
وانقطع صوتها ..

وسألت نفسى منذ شهور وهى مريضة ومشلولة هذه المسكينة .. وفى غياب زوجها ، أى عذاب تتحمله الأنثى وأى مشقة .. وتظل صابرة ..

وسألتها :
ـ والدكتور .. ما رأيه ..؟
ـ دكتور .. إيه .. يا منير .. الدكاترة كانوا زمان .. الله يرحم الدكتور عبد العزيز إسماعيل عالج المرحوم والدى من الجلطة فى اسبوع .. قضى عليها تماما .. وقال له روح بقيت كالحصان ..!
الدكاترة كانوا زمان .. الدكتور الذى كان سيعطينى الحقنة اليوم لم يحضر .. لازم كان بيتفرج على الكرة .. فيه لعب اليوم ..!
ـ أنزل وأجىء لك بواحد ..
ـ بقينا فى نص الليل .. ليس كل واحد ينفع .. إنه متخصص ويعطى الحقنة فى عظم الركبة .. وأعطيه خمسة جنيهات على كل حقنة .. ولكن رأى مع ذلك أن الفرجة على الكرة أنفع وأحسن ..! الكل وحياتك يا منير .. يكتب روشتات .. نفس الدواء ونفس النوع .. شهر وأنا فى عذاب .. رحم الله أنور المفتى .. كان فخرا لمصر .. ولكنه ذهب .. كما يذهب كل طيب ونافع .. ويبقى
ـ ولكنى رأيتك متقدمة .. ووجهك أكثر جمالا ..
ـ صحيح ..؟
ـ حقا .. هذا ما رأيته ..
ـ لكن صوتك متغير .. يامنير .. يا منير .. من البرد هناك ..
ـ ثلج ..

ووقع علىَّ السؤال كلوح الثلج .. وكيف ميزت الآن .. والآن فقط بعد كل هذا الحوار الذى دار بيننا اختلاف صوتى .. كيف أدركت الآن فقط .. لعله تأثير المرض عليها .. أو لعل صوتى فى جرسه قريب من صوت زوجها .. أو لعل المرض فى شدة وطأته عليها جعلها تنسى صوت زوجها .. وشكل زوجها .. كل ذلك شبه ..

وعاودت تقول :
ـ كنت أرعى همك وتعبك وأقول ملعون أبو الوظيفة والبعثات التى تجعل الزوج يترك زوجته فى الشهور الأولى من زواجهما ويغيب سنة وسنة .. وسنة ..
ـ والآن الحمد لله لقد رجعت ..
ـ رجعت بعد إيه ..
ـ كله خير .. والخير فى ارادة الله ..
ـ أشعر الآن بقرب الشفاء .. بل لقد شفيت .. وعندما قرأت عمتى بدرية رسالتك التى تعلن فيها قدومك اليوم .. سرت فى كيانى رعشة .. وأحسست بساقى ينبض فيهما الدم .. وتندفعان للحركة .. هذا ما سيحدث هذا ما سيحدث ..

وصمت .. وسرحت أنا فى دوامة الأحداث .. ثم سمعتها تقول بغيرة الأنثى .. وبلهجة مؤكدة :
ـ والحقائب لن يفتحها سواى ..!
ـ بالطبع لن يفتحها غيرك ..
ـ وأين هى ..؟
ـ وضعتها سنية فى غرفة المكتب ..
ـ هذا أحسن .. ويدل على حسن تصرف .. إنها مدربة جاءت اليوم .. وجاء الخير على قدومها .. جئت معها فى نفس اليوم ..
ـ بنت طيبة ..
ـ آه .. لو شفت .. رأيت منهن العذاب .. كل واحدة بشكل .. التى تنظف لاتطبخ .. والتى تطبخ لا تنظف .. والتى تجىء برضيعها والتى تذهب بدون سبب .. والتى تخلف الميعاد .. والكاذبة واللصة على طول الخط .. وأخيرا جاءت الست مفيدة بهذه وتبدو طيبة .. ما الذى نعمله بعد أن عدت بالسلامة كله يهون ..

سمعت منها كل هذا الكلام .. وحرصت كل الحرص على ألا أكشف نفسى ..
أقول لها بأنى دخلت شقتها غلط فى غلط .. وأننى لست منيرا .. ولست زوجها ولا أمت له بأية صلة .. وأننى مجرد عابر .. جاء فى سماء القاهرة لمدة يومين أو ثلاثة ليشترى جرارا .. وما يحمله من نقود فى جيبه جعلته لاينزل فى فندق والشكر للحاج أبو إسماعيل صاحب الفضل والمروءة ..
إن كشفت نفسى سيؤذيها .. وهى فى أشد حالات مرضها وربما قضت عليها المفاجأة ..

***

ودقت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل .. وانقطع ما بيننا من حوار ..

وأيقنت هى أننى دخلت عليها .. واطمأنيت على صحتها .. وأن حالتها الصحية هى التى جعلتنى لا أثقل عليها بالكلام .. ولا أقرب منها أكثر مما اقتربت لأن كل ذلك فى الساعات الأولى من اللقاء قد يؤذيها .. وقد يسبب لها النكسة .. وما هو شر منها ..

***

وبعد دقات الساعة جالت عيناى فى الصالة ورأيت صورة لسيدة .. معلقة فى اطار ذهبى .. وكانت فوق رأسى مباشرة ..

فلما نهضت رأيتها .. إنها هى دون شك .. فما من أنثى تحمل مثل هذه الفتنة .. وهذه النضارة فى العينين والشفتين .. وهذه البشاشة فى الوجه ..

إنها صورتها هى وحدها .. وقدرت أنها بعد الزواج .. أو قبل الزواج بسنة على الأكثر .. وكانت فى فستان وردى وعلى الصدر مشبك من الزمرد الأخضر .. وفى الأذنين قرط مما تلبسه الإسبانيات .. وهن فى ساعة الذروة من البهجة والإحساس بنشوة القلب ..

يا إله السموات والأرض .. من الذى يشل هذه الحسناء وهى فى أوج نضرتها .. وأوج شبابها .. سوء الإدارة .. حادث فى السوق .. فى الطريق .. سارق سلسلة .. سائق تاكسى يشتغل بلطجيا فى ظل رخصة ..

يا إله السموات والأرض .. أى جمال خلقت وأى إبداع فى الأنثى كونت وأعطيت الحياة ..

رأيت نظرة متأنية فى عينيها تحمل معنى التأنيب .. جعلتنى أخجل من وقفتى فجلست .. عدت كما كنت إلى مقعدى .. وأنا ما زلت فى كامل ملابسى ..

***

كانت الشقة من ثلاث حجرات والصالة التى أجلس فيها .. وكان كل شىء أنيقا ولامعا .. ولم يكن ذلك من سنية ولا لأن البيت ليس فيه أطفال .. وإنما لأن الست كما خمنت كانت تحرص على الهدوء وعلى نظافة بيتها إلى حد كبير ..

ولم أكن وأنا جالس أسمع حركة الشارع .. ولا حركة البيوت .. كان السكون يخيم إلى درجة الموت .. ومن خلال هذا السكون الشامل سمعت صوتها :
ـ أجئت بكل ما طلبته منك يا منير ..؟
ـ بالطبع .. بالطبع .. وهى فى حقيبة يدى ..!
ـ تصورتك ستنسى .. سيمفونيات بيتهوفن .. وبشارف تركية حتى لو ذهبت من أجلها إلى استانبول ..
ـ وكيف أنسى لك طلبا .. وأنت مهجة حياتى .. وأعرف تعلقك بالموسيقى التركية .. منذ الصغر .. ومعى شريط .. لبعيون .. عازف الطنبور ..
ـ بعيون أنه كنز .. أو تعلم .. وسيريح سماعه أعصابى .. أحسن من ألف حقنة ودواء والآن تعال لتنام ..
ـ حاضر .. سأتوضأ .. أولا .. وأصلى .. وأقرأ لك سورة من القرآن ..
ـ سنقرأها معا ..

ونهضت كأنى ذاهب لخلع بدلتى .. وسألتها وأنا أتثاءب ..
ـ المهندس توفيق لايزال ساكنا هنا فى العمارة ..؟
ـ المهندس توفيق فى الشقة التى فوقنا على طول ..! لكنه مسافر فى بعثة .. والشقة فاضية .. وأبوه يأتى من وقت لآخر ..

وشعرت بما يشبه الدوار .. بعد أن أدركت خطأ فعلتى .. فقد أدرت المفتاح فى الشقة التى تحتها مباشرة .. لأن المصعد أخرجنى فى الطابق الرابع بدل الخامس .. لأنى ضغطت على الزر خطأ ..
هكذا دخلت كصاحب بيت فى شقة سيدة مريضة .. فأى عبث للأقدار ..

ان السيدة المريضة تنتظر زوجها .. وقد وصل الزوج فى شخصى .. طبقا لمواصفات الخطاب .. فهل أكشف نفسى الآن ..؟ لا .. ثم .. لا .. قد يكون فى ذلك هلاكها .. ليست المسألة إلى هذا الحد من البساطة فى مواجهة الحدث ..

ان أى تبسيط للأمر سيجر إلى عواقب وخيمة .. وما دمت قد أخذت على أننى الزوج العائد فلأظل فى الدور إلى النهاية ..!

ولكن أى عبث للأقدار .. من الذى كتب الخطاب .. أهو زوجها حقا ..؟ وإذا كان قد فعل ذلك فلماذا لم يحضر كما وعد ..

إن تخلفه كان من أجلى .. ليعطينى الصورة ولينفسح لى المجال لأمثل الدور كاملا ..

***

عدت إلى المقعد ووضعت يدى على رأسى .. كاد رأسى أن ينفلق من فرط احساسى بالموقف الصعب .. ما الذى يفعله الإنسان فى مثل هذه المواقف .. سيترك الأمور تجرى فى أعنتها ..

واسترخيت .. وغلبنى النعاس وأنا جالس وتنبهت على صرخة مفزعة .. صرخة خرجت منها ..

وجريت إلى غرفتها .. وصدمنى وأنا أجرى شبح رآنى وأنا أتقدم نحوه وبيدى المسدس فأشهر فى وجهى سلاحا .. فأطلقت عليه النار طلقة واحدة فسقط خارج بابها ..

***

وخيم السكون من جديد وسمعتها تقول بعد دقائق وثوان حسبتها دهرا :
ـ قتلته .. يا منير ..
ـ نعم ..
ـ حرامى ..؟
ـ نعم .. حرامى ..

وسألتها :
ـ أسرق منك شيئا ..؟
ـ أبدا .. عبث فى الدولاب ..
ـ أدخل .. من المنور ..؟
ـ أو من باب المطبخ .. أو أى مكان ..

وأضافت بهدوء :
ـ أتبقيه هنا ..؟
ـ لا .. سأخرجه .. حتى لايزعجك ..
وسحبته على البلاط .. إلى خارج شقتها .. ووضعته فى المصعد ..

وسمعت صوتها .. تنادينى وأنا أغلق بابها الخارجى ولكنى لم أرد .. لأنى سمعت حركة أقدامها ورائى ..
وأنستنى الفرحة بشفائها .. كل ما حدث لى فى هذه الليلة ..

================================
نشرت القصة فى صحيفة مايو بعددها الصادر بتاريخ 19 أبريل 1982
================================

ص 16 المأخوذ ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

المـأخـــوذ
قصة محمود البدوى

ممدوح .. وأمين .. قضيـا سنـين الدراسـة معـا .. كأحسـن الأصدقاء .. وتوظفا بعد تخرجهما فى سنة واحدة .. ممدوح فى شركة صناعية .. وأمين فى مصلحة من المصالح ..

ثم جاء وقت رأى فيه " ممدوح " أن يسافر إلى الخارج .. ليوسع من دائرة رزقه .. ويؤمن حياته المعيشية ومستقبله ..

وأفضى لصديقه أمين بذلك .. وحزن أمين لاعتزام زميله السفر وتألم لفراقه .. ولكنه رأى ألا يمنعه من أمر يعود عليه بالخير .. وألا يكون عقبة فى سبيل طموحه ..

وأخذ يرافق " ممدوح " فى جولاته الأخيرة وهو يعد العدة للسفر .. فى استخراج الجواز .. وصرف المكافأة من الشركة عن مدة خدمة ممدوح التى سبقت الاستقالة ..

وكان هذا المبلغ سيعين ممدوح فى أمور كثيرة تتعلق بالسفر .. وأعد الشيك فعلا ولكن مراقب الحسابات الذى يوقع توقيعا ثانيا على الشيك ويجعله صالحا للصرف .. لم يكن موجودا فى تلك الساعة ..

فقال " ممدوح " لزميله " عزت " موظف الشيكات :
ـ هل تستطيع يا أخى عزت أن تقدم لى خدمة كبيرة ..
ـ نعم .. أطلب ..
ـ تعطى الشيك غدا لأمين .. لأنى سأكون مشغولا فى الصباح باجراءات طويلة فى السفارة ..
ـ حاضر وإن شئت .. لا تتعب أنت ولا أمين .. وأنا أوصله البيت بنفسى ..
ـ لا داعى لتعبك .. وأنت فى زحمة العمل .. وأعطه لأمين ..
ـ حاضر .. من عينى الاثنين ..

وفى صباح اليوم التالى ذهب أمين إلى موظف الشيكات وأخذ الشيك .. ولما أراد أن يوقع بالاستلام على الدفتر المختص .. رفض عزت ..

وقال له :
عيب .. يا أستاذ أمين .. عيب ..

ووضع أمين الشيك فى جيبه وذهب إلى عمله فى المصلحة .. ثم اتجه إلى ممدوح فى بيته بعد خروجه من المصلحة ليعطيه الشيك ولكنه لم يجده فانتظره طويلا .. دون جدوى ..

ورأى أن من الأوفق أن يعود إليه مبكرا فى الصباح التالى ..

***

وفى صباح اليوم التالى وقبل أن يتوجه إلى مقر عمله .. أخذ طريقه إلى منزل صديقه ممدوح فى شارع الشيخ عبد الله بعابدين .. وطلع السلالم الحلزونية فى البيت العالى الطوابق ونقر على باب ممدوح فلم يرد عليه .. فتصور أنه خرج قبل الشمس ليذهب إلى شركة الطيران ليحجز تذكرة السفر أو شغل بشىء آخـر من لوازمه ..

ولقى وهو يهبط السلم جارة لصاحبه يعرفها من كثرة تردده على البيت فسألها عنه ..

فلقيته بوجه حزين صامت ثم سألته :
ـ هو أنت لاتعرف ..؟
ـ أعرف ماذا ..؟
ـ لقد مات صديقك .. أمس فى الليل ..
ـ مات ؟!
ـ نعم مات وأخذه أهله فى الفجر ..
ـ فى الفجر .. ؟
ـ نعم أخذوه ليدفنوه فى بلده .. أخذوه كأنه مريض فى سيارة .. ليتجنبوا الإجراءات المعقدة هنا .. نحو الموتى ..
ـ ومن الذى أعلمهم بموته فى مثل هذه الساعة من الليل ..
ـ جاره الأستاذ توفيق .. وجاءته نزوة القلب وهو معه لأجل الستر .. وبحث عنك الأستاذ توفيق أولا .. فلما لم يجدك ركب عربته وجاء بأهله سريعا .. والبلد قريبة .. وصعقهم الخبر وشل حركتهم .. ولكن الست " نجية " صاحبة البيت قالت لهم بهدوء .. وكانت أول من علم بالخبر وجرت إلى شقته ..

قالت لأكبرهم سنا ..
ـ أسرع يا حاج ولا وقت للدموع الآن .. وشيله من القاهرة الملآنة بزبائنة جهنم .. وأنتم غرباء عنها .. الحانوتى .. والطبيب .. وعربة الموتى .. والكل فى جشع رهيب للمال .. فلا يقدرون الظروف .. وبلدكم قريبة جدا نصف ساعة بالسيارة ..

ولما رأته جامد الملامح وفى سهوم .. قالت له :
ـ العربة جاهزة .. وابنى " طلعت " سيسوق .. ومعكم أيضا الأستاذ توفيق بعربته ..

وصعقت " أمين " المفاجأة .. وتأسى لصديقه واغرورقت عيناه بالدمع .. ولكن ماذا يجدى الأسى .. وتذكر الشيك الذى فى جيبه وكان قد نسيه فى دوامة ما سمعه .. وسريعا أحس بالضباب يغشى عقله ويطمسه .. وبالحيرة والتردد فلم يكن يدرى كيف يمضى .. ان أحسن سبيل هو أن يعيد الشيك إلى الشركة .. وهى صاحبة التصرف فى الموضوع .. والموظف هو موظفها .. والشيك صادر منها حتى مع انقطاع صلتها به باستقالته ..

ولكن الشيك أعطاه له الموظف بصفة ودية دون استلام وتسليم لأنه يثق فيه .. ويعرف مقدار ما بينه وبين ممدوح من صداقة .. فهل يوقع الموظف فى سين وجيم ..

عدل عن هذا الرأى كلية .. ورأى أن يتصرف بسرعة التصرف الطبيعى وهو أن يصرف الشيك ..

وظهره فعلا .. ووقف أمام شباك الصرف فى البنك .. وكان الطابور طويلا فى اليوم التالى من الشهر .. وسر من الزحام لأن الموظف لن يجد عنده الوقت للتعقيد ..

ولما جاء دوره القى الموظف نظرة سريعة على الشيك وقال له :
ـ اكتب العنوان ..
ـ مكتوب ..
ـ اكتبه ثانى ..
ـ حاضر ..

وتمالك نفسه وحد من ارتعاش يده .. وكتب .. وأخذ الثلاثة آلاف جنيه .. وظل فى صالة البنك يعدها ويعدها بتؤدة .. وكان قد قرأ خبرا عن لص من لصوص البنوك صرف شيكا بالتزوير .. ولما استلم المبلغ وكان كبيرا جدا .. أخذ يعده فى صالة البنك الواسعة بثبات وهدوء أعصاب .. ثلاث مرات .. فأراد هو أن يفعل مثله تماما ..

فراح وجاء فى بهو البنك بعد أن عد المبلغ ثلاث مرات .. وأخذته لسعة برد فى الشارع .. ولكنها سرته لأنها هدأت من توتر أعصابه .. ومن سح عرقه ..

وكانت الساعة قد بلغت العاشرة والنصف والشمس وراء الغمام ، والشوارع تعج بالمارة ، وبعض المتسولين والباعة الجوالة يتسقطون الهابطين من البنوك ..

ورأى أمين أن يذهب إلى عمله ويشغل نفسه به ..

وسأل الفراش :
ـ أسأل أحد ..؟
ـ أبدا .. والبيه المدير لم يأت بعد ..
وشغل بعمله اليومى حتى الساعة الثالثة بعد الظهر ، ثم أخذ يفكر فى مكان يضع فيه النقود .. وأخيرا استقر رأيه على أن يضعها فى بيته ..

وتغدى كما اتفق وذهب إلى بيته ونام إلى ما بعد العشاء وكان يتصور أن النوم سيريحه ، ولكنه بعد أن نهض من الفراش وجد القلق ينهش رأسه ..

وخرج ثم عاد وفى ذهنه تفكير حاسم بأن يذهب إلى بلدة صاحبه ويسلم أهله المبلغ ..

***

ولكن فى الصباح وجد سخف هذه الفكرة فى عالم الواقع ، فهو لايعرف أحدا من أهله ، وما حدثه ممدوح عن اسم واحد منهم قط ، ولو وجد أهله فعلا فإنهم كعادة الكثير من أهل الريف سيتصورون أنه حجز لنفسه من المبلغ .. والفلاحون لايثقون فى أهل المدن من فرط معاناتهم ، كلما احتكوا بهم فى معاملة ، فالثلاثة آلاف سيتصورونها خمسة وعشرة .. ويقع فى ورطة جديدة ..

وقع صراع هذه الخواطر فى نفسه ، ولكنه فى صباح الجمعة ركب قطار الركاب إلى المزغونة .. ثم ركب عربة أجرة إلى قرية المرحوم التى لاتبعد أكثر من فرسخين عن المحطة .. !

وكانت القرية ببيوتها السوداء ككل القرى المصرية يخيم عليها النخيل ، وتحوطها المزارع ، وتنبح فيها الكلاب ، وطرقاتها متربة والغبار بعد كل دابة تتحرك أو سيارة تمر ، يسد الأنوف ..

وكان الوقت يقترب من صلاة الجمعة وأهلها فى مسجد القرية المتطرف .. فدخل يصلى معهم .. ووجد أن عيونهم مع الخطيب ، ولكن رؤوسهم مشغولة بالزرع والضرع ، وضروب التموين والسماد والجمعية .. وبنك القرية والحساب والصرف ..

كانت صروف الحياة المعيشية تصرفهم عن كل كلام وعظة .. وكان الكلام الرتيب المعاد المكرر مئات المرات لايشد انتباههم ولا يفتح صدورهم وقلوبهم إلى شىء جديد ينفعهم ..

ولهذا لاتنفعهم صلاة .. ولاتفيدهم عظة .. وما فى داخل النفس هو المتسلط ..

وخرج من المسجد ، وركب القطار إلى القاهرة ، دون أن يسأل أحدا ..

خيل إليه أن ممدوح ليس من هذه القرية مع كثرة حديثه عنها فى أيامه الأخيرة ..

***

ولم يشعر بعد الرحلة إلى القرية بالتعب .. وكان من عادته إن يذهب فى يوم الجمعة إلى السينما .. ولكنه تغدى وذهب إلى البيت .. ونام إلى الساعة العاشرة ليلا .. وأراح النوم أعصابه ، ولكنه جعل الرؤية أمامه واضحة .. فقد وضع صديق له ثقته المطلقة فيه ، ولكنه خان هذه الثقة .. وخانها بخسة ، وطوق عنقه بحبل من مسد .. وأمامه الفرصة الآن ليفك هذا الحبل ، ويخلص عنقه ، ولابد أن يعاود السؤال عن أهل المرحوم ، فلا يمكن أن يكون مقطوعا من شجرة ..

ورأى أن أحسن سبيل هو أن يذهب إلى الشركة التى كان يعمل فيها ممدوح ، ومن ملف خدمته يعرف عنه كل ما يريد أن يعرفه ..

***

وقابل وهو فى الطرقة " عزت " موظف الشيكات الذى سلمه الشيك وأحس باضطراب شديد ، ولكنه تمالك نفسه ودخل معه إلى مكتبه ..

وقبل أن يستدير عزت ويجلس إلى مكتبه سأل :
ـ ممدوح سافر ..؟
ـ أجل ..

وسر أمين لأنه لايعرف أنه مات .. ولكن وجه عزت كان ينبىء عن شىء ، كان عليه طابع السخرية ، وظل ضاحكا ، وكل الأسارير تبدو ضاحكة بسخرية ، كأنه يعرف بواطن الأمور .. ويكتمها بدهاء ..
يعرف أن " أمين " كاذب مخاتل ..

وعاد عزت يسأل بهدوء ، وكان قد طلب من الفراش القهوة لضيفه :
ـ أول أمس ..
ـ أجل فى الليل ..
ـ وودعته ..؟
ـ نعم ..
ـ كان سعيد بيه .. يريد أن يودعه .. ولكنه انشغل بانعقاد مجلس الإدارة حتى منتصف الليل .. تصور .. اننا نشتغل كالفعلة .. وغيرنا فى راحة ونائم فى العسل ..
ـ ممدوح كل الناس تحبه ..
ـ هذا صحيح ..
ـ وما الذى عمله فى الشقة ..
ـ أظن أنه أبقاها لنفسه .. وكلف من يدفع له الإيجار .. هذا حسب ظنى .. لم يحدثنى عنها قط ..
ـ لم يحدثك وأنت صديقه الأوحد ..

طابع السخرية ظاهر من لفظة الأوحد هذه ، ولكن أمين بلعها ..

ـ أبدا .. والست صاحبة البيت ست طيبة .. ونادرة الطيبة .. وحتى لو لم يدفع الإيجار .. ستبقيها له .. كانت تعامله كإبن ..
ـ الطيبات للطيبين ..
ـ نعم ..

وجرى الحديث على هذا المنوال .. ولم يستطع أمين أن يوجه لعزت السؤال الذى جاء من أجله .. تغافل الموضوع ، ونهض كأنه جاء من أجل السلام ..

وشيعه موظف الشيكات حتى الباب الخارجى ..

***

وكانت الحركة فى الشارع شديدة .. تستوجب من " أمين " الحذر وإلا صدمته السيارات والعربات الصغيرة والكبيرة .. ولكنه كان ذاهلا وظل فى غير وعيه ..

وظل عقله يفكر فى موظف الشيكات ويحدث نفسه .. أنه الوحيد الذى يعرف أن شيك ممدوح أخذته أنا .. ولكن هل يعرف أننى صرفته .. إلى الآن لايعرف ..

ولكن نظرة السخرية التى على وجهه ، تحدث بأنه يعرف ، وكيف يعرف أن هذا تخريف .. أن المجرم يظل يدور حول نفسه إلى أن يقع فى الفخ ..

هذا هو طابع الجريمة وميزانها .. ولكنه لن يقع فى الفخ .. لن يقع ..

***

ووجد نفسه يدخل مطعما ومشربا صغيرا فى شارع عماد الدين ، اعتاد أن يتغدى فيه معظم أيام الأسبوع .. لأنه نظيف وهادىء .. ويعنى صاحبه بالطعام فيه وتنسيق موائده ..

وكانت تعمل فيه وقت الغداء فتاة واحدة تخدم على كل الموائد .. ويوجد غيرها عاملان فى الداخل للمطبخ ..

وجاءته الفتاة " فتحية " باسمة المحيا ضاحكة القلب وكانت تستأنس بحديثه .. وسألته :
ـ أين صاحبك ..؟
وكان ممدوح يرافقه كثيرا إلى هذا المكان ..

فقال لها وهو يرفع رأسه ويتأمل وقع الكلمة على محياها النضير ..
ـ مات ..
ـ مات .. أعوذ بالله ..
قالتها برجفة ، وقد امتقع وجهها ، كأن الموت لايمكن أن يحدث لشاب مثله ..

واستطرد أمين وفى عينيه الدمع :
ـ أجل مات .. كلمة بسيطة من ثلاثة أحرف ننطقها بكل بساطة .. أنهت حياة شاب .. حياة حافلة لشاب كان يتطلع للمستقبل بنضارة وأمل .. وقلب كله طموح .. ولكنه انطوى هذا كله بخفقة قلب .. سكت إلى الأبد ..

ظل الحزن يرف على وجه الفتاة .. ولم تستطع أن تنطق بكلمة ، وراحت وجاءت تعد له الطعام الذى اعتاد أن يأكله فى النهار ، وقد وجدت فجأة شيئا يسلبها ارادتها فى العمل كما يسلبها التفكير .. وذكرها موت الشاب الخاطف بأبيها .. فقد خطفه الموت كما خطف هذا الشاب ..

وسأل أمين وهو يأكل :
ـ أتأتين فى الليل ..؟
ـ أبدا .. فى الليل ينقلب المطعم إلى خمارة ..

وقال ليخفف عنها الحزن .. ويضحكها :
ـ وهى الآن إيه .. انها خمارة فى الليل والنهار ..

ودافعت بحرارة :
ـ فى النهار يأتى الناس الطيبون للغداء فقط .. أما فى الليل فهى خمارة ..
ـ ولكننى أحب أن أراها فى الليل .. وقد أضاءت كل قناديلها ..
ـ أضىء لك كل القناديل الآن .. ولكن لاتأت فى الليل ..
ـ كما تحبين .. أتعرفين اننى أجىء إلى هنا لأراك ..
ـ أعرف هذا ولا داعى لأن تقول ..
ـ الامتحان قرب ..
ـ بعد شهرين ..
ـ وإن شاء الله بعد النجاح ستوفقين إلى عمل آخر ..
نعم ما دمت معى ..

ومذ رآها منذ سنة ، وهو يفكر فى اخراجها من هذا المكان .. ولعن خالها الذى جاء بها إلى هنا .. لأنه يعرف صاحب المطعم ، واشترط عليه أن تعمل فى النهار فقط .. من الساعة الواحدة ظهرا إلى السادسة ..

ولكنه كان قاصر النظر .. فتحت الاغراء المادى .. الذى يعمل فى النهار سيعمل فى الليل ، وفى هذا الجو الموبوء يمكن أن يموت كل شىء لفتاة مسكينة مثلها ، ولها من جمالها مثل ما للعسل من جذب للذباب ..

والإنسان العاقل يطيش عقله تحت تأثير الخمر .. فما بالك بمن تطيش عقولهم من الشباب دون خمر ..

ومن يصور له عقله أنها مادامت تشتغل فى بار فهى لاترد يد طالب ..

وكان من عادته أن يجزل لها العطاء كبقشيش بعد كل وجبة .. ولكن فى هذه المرة رأى أن يعطيها مبلغا كبيرا ..

ونظرت إليه باستغراب ..
ـ ما هذا كله ..؟
ـ لتشترى لك فستانا .. هدية النجاح ..
ـ لم أنجح بعد ..
ـ ستنجحين ..

وحدقت فيه فرأت القلق فى عينيه لأول مرة .. رغم مظاهر الهدوء التى على ملامحه ..

وظلت الجنيهات فى يدها مفرودة ، وسألها :
ـ هل أجد فى بيتكم غرفة لى ..؟
ـ كل بيتنا لك .. ولكن هل تسكن فى الإمام ..؟
ـ طبعا أسكن ما دمت تسكنين فيه ..
ـ تتكلم بجد ..
ـ طبعا ..
ـ سأكلم ماما ..

وكانت قد حدثته كثيرا عن والدتها هذه .. كما كان من عادتها كلما سألها عن شىء يخصها تقول له :
ـ سأكلم ماما ..

وأحب ماما هذه من كثرة تردد اسمها على لسان ابنتها .. وتصورها جميلة مثل ابنتها ولاتزال شابة ، فالبنت صغيرة وهى أكبر خلفتها ولا تتجاوز العشرين عاما .. والأم فى الأحياء الشعبية تتزوج صغيرة جدا قبل سن الزواج بحيل يدخلونها على المأذون .. فهى ولاشك فى رونق شبابها ..

***

وسألها ذات يوم سؤالا مباشرا صاعقا :
ـ أمك تتزوج ..؟
ـ لماذا لا ..
ـ تتزوجنى ..
ـ لما أسألها ..

وسألها فى اليوم التالى :
ـ سألتيها ..؟
ـ نعم ..
ـ قالت إيه ..؟
ـ قالت لما أشوفه أولا
ـ ومتى سنذهب ..؟
ـ كما تحب .. نخرج من هنا معا .. لأريك البيت ..

***

وفى اليوم التالى سأل عن الأتوبيس الذى تركبه من بيتها إلى المطعم ، وكان يشفق عليها من الزحام ، ومن فظاعة الركاب وسوء تصرفهم .. وهو نفسه ما ركب اتوبيسا قط لافى ليل ولا نهار .. فكيف تركبه هذه المسكينة وسط هذه الطغمة من الوحوش .. فكر فى هذا بألم وحرارة .. ونسى أنها تعمل فى بار .. وخجل لبساطة تفكيره .. ولكنه شعر بأنه يحبها ويجب عليه كرجل أن يحيطها بسياج من المناعة إلى أن يخرجها من هذا البار ، ويجد لها العمل المناسب لدراستها ..

وقالت له مجيبة على سؤاله :
ـ اننى لا أجىء من البيت .. وإنما أجىء من المدرسة ..
ـ أين هى ..؟
ـ فى السيدة ..
ـ هذا جميل .. ومن السيدة لهنا .. تجدين الكثير المختلف من المواصلات ..
ـ أجل ..

ولاحظت أنه تعب .. ويبدو على وجهه الشحوب والارهاق .. وطلب زجاجة من الجعة .. وكانت تود أن تقول له :
ـ الجعة نفدت ..

لأنها لاتود أن يشرب بأية حال وفى كل الظروف .. لأن الجعة ستجر إلى البراندى .. ولكنها رأته ملتاعا ومأخوذا .. فجاءت بالزجاجة ووضعتها أمامه برفق وهى تتطلع إلى وجهه ، وتحاول أن تستشف سبب السرحان ..

وسألته لتوقظه من غفلته :
ـ هل أجىء لك بالغداء .. الآن ..
ـ قطعة من اللحم فقط .. ولا أريد شيئا آخر ..

ولم يكن على الموائد المعدة للطعام سواه .. وكان فى الداخل على منصة البار .. شاب ناحل يرتدى سروالا بنيا وقميصا فاتحا طويل الأكمام .. وكان يشرب " البراندى " بتذوق ويدير عينيه الحمراوين عن يمين وعن شمال .. من حين إلى حين .. ولا يخاطب أحدا .. ولا يخاطبه أحد .. كان صامتا يجتر أحزانه فى سكون .. وكان لايغير مجلسه ولا مكانه ولا عدد الكؤوس التى يشربها ..

وكان طول وجهه يتقلص ويتمدد حسب الأحوال المحيطة .. وتنفر عروق جبهته إذا فاجأه بائع جوال وهو فى استغراقه المطلق مع الكأس .. وهز من كينونة سكونه ..

وعند ئذ ينطلق الشرر من عينيه ويسب ويلعن مع رذاذ فمه :
ـ حرامية .. لصوص .. أوغاد ..

ويأخذ عامل البار فى تهدئته .. ويظل الأسى مرتسما على وجه الفتاة وشيئا أشبه بالخوف مما تتوقع حدوثه .. إلى أن ينسلخ الشارب من كرسيه ، ويأخذ طريقه إلى الخارج ..

وكان هذا المنظر المتكرر يوميا يشغل بال " أمين " ويجعله يفكر سريعا فى ايجاد عمل جديد للفتاة حتى وإن لم تنجح فى الدبلوم .. فكيف تعمل هذه المسكينة فى مثل هذا الجو .. اليوم سكير واحد .. وغدا عشرة .. واليوم بالنهار .. وغدا بالليل مع البلطجية والمتشردين والقوادين وسماسرة الشقق المفروشة ..

وقرر أن يفعل شيئا سريعا .. ولكن الهم كان يثقله ويمنعه من هذا التصرف السريع ..

فما كان يتصوره سهلا وعملا بطوليا وهو يصرف النقود من البنك ويعدها فى الصالة بثبات وتؤدة ثلاث مرات .. قد أصبح الآن خزيا وعارا أبديا يركبه إلى الأبد ..

فثلاثة آلاف جنيه تدخل فى جيب بواب منحرف فى حى من أحياء القاهرة فى مدة قليلة لاتعدو شهرا .. ويكسبها سمسار شقق مفروشة فى أسبوع .. وتاجر شنطة فى جولة واحدة ..

فهل كان هذا المبلغ كان يستحق منه كل هذا التمزق النفسى والخيانة لصديق العمر .. أية بشاعة عندما يوسوس الوسواس الخناس .. وأية نكبة تصيب الإنسان فى مقتل ، دون أن تطلق رصاصة أو يصوب خنجر ..

ثم هذا الموظف الذى أعطاه الشيك والذى ينظر إليه وعلى فمه السخرية ، هل هذا المأفون يعلم كل ما جرى بعد ذلك ، واننى صرفت المبلغ وأخذته لنفسى ..

ولكن كيف يعلم ؟ .. ولماذا هذا التصور .. وهذا الوسواس ، انها مجرد تصورات لأعصاب مريضة ، ونفس مأخوذة ..

هب أن هذا الموظف علم أن ممدوح مات .. فلماذا لايكون قد أخذ الشيك قبل موته وصرفه .. اذن فكون ممدوح مات لايغير من وجه المسألة .. ولا ينفى أنه أخذ مبلغه قبل موته ..

وكونه هو صرف المبلغ بتوقيعه على الشيك .. لاينفى أنه أعطاه لممدوح قبل موته بعد أن صرفه .. لأن ممدوح كان مشغولا إلى درجة كبيرة بالسفر .. وطلب منه صرف المبلغ فصرفه .. وأعطاه له فى نفس اليوم .. فى نفس يوم الصرف .. بل بعد ساعة واحدة ..

واستراح لكل هذه الخواطر اللولبية ..

ولكن شبح عزت موظف الشيكات عاد للظهور بعد اختفاء مؤقت وظل يطارده فى صحوه ونومه ..

وقرر أخيرا أن يتخلص منه .. ولكن كيف .. ؟ بسمه .. لا .. ان السم من عمل النساء .. بطعنه بخنجر .. لا .. إن الطعنة قد لاتميت .. يطلق عليه النار .. نعم فى عتمة الليل وهو طالع إلى بيته ..

ومع أن التفكير كان متسلسلا وسيريحه من شبح يطارده .. ولكنه ضحك فى أعماقه للجريمة الصغيرة التى تجر بكل سهولة وبساطة إلى الجريمة الكبيرة ..

***

فى اليوم الذى اشترى فيه المسدس ووضعه فى جيبه ، ذهب إلى المطعم فى الساعة الخامسة ليشاهد الفتاة قبل خروجها ورواحها ..

وكأنه يودعها لأنه لايعرف مصيره بعد هذه الليلة ..

ولاحظت تغيره وسهومه ، وبريق عينيه ، وانطفاءهما فى دوران ورجرجه متصلة ..

ووضعت أمامه بسرعة كوبا من الماء .. وساءلت نفسها :

ـ هل سكر فى الخارج .. ماذا جرى له ..؟

وقالت ببسمة حلوة لتحول عنه سيل خواطره التى استغرقته :
ـ ماما .. قالت لى .. لماذا لم يأت الأستاذ ..؟
ـ نعم ..
ـ وعاوزاك ..
ـ لكن أنا .. عاوزك انت .. مش ماما ..
ـ وأنا طوع أمرك ..

ولسعته الكلمة .. هل هى سهلة إلى هذا الحد مثلهن .. ثم عاد وقال لنفسه إن الفتاة بريئة ، وتقول هذا بلغة الحوار ..

وأمسك بيدها وشعرت بيده تعرق ..
ونكس رأسه ثم رفعها وقال بهدوء ..
ـ سأعطيك عنوان البيت يا فتحية .. قد أمرض أو أموت مثل ممدوح .. وأنا وحيد مثله .. وإذا مت فكل ما فى بيتى لك ..

فنظرت إليه باكية وساءلت نفسها ما الذى جرى له ليقول هذا كله ..

وكتب شيئا فى ورقة صغيرة وناوله لها .. فأخذتها لتطاوع تفكيره دون أن تنظر فيها ..
وهم بالخروج ..
فقالت له :
ـ لن أتركك تخرج وحدك وأنت على هذه الحالة من التعب .. سنذهب إلى بيتنا ..

ـ لا أستطيع أن أذهب إلى أمك وأنا على هذه الحالة ..
ـ نذهب إلى السينما .. والسينما ستريح أعصابك ..
ـ بشرط ألا يكون الفيلم مصريا .. فإنه سيزيدنى تعاسة وغما ..
وضحكت ، وقالت :
ـ حاضر ..

ودخلا فيلما جميلا ، وشعر لوجودها بقربه بالراحة والاطمئنان .. ولفترة طويلة ذهبت كل الهواجس عن رأسه .. ولم يعد يفكر فى مطاردة عزت ..

***

ولكن فى صباح اليوم التالى طارده عزت نفسه .. فقد لقيه مصادفة فى شارع طلعت حرب .. وكان يهرول فى مشيته .. وعلى فمه طابع السخرية ونفس الضحكة المطلية بالعلقم ..

وقال له :
ـ إلى أين .. تعال أوصلك ..

ولم ينتظر منه الجواب .. وهرول واختلط بالجمهور المتسكع فى الشارع .. وقال أمين وهو يحرق الارم بصوت مسموع :
ـ لولا اختلاطك بالجمهور لقتلتك فى عز الظهر .. والمسدس فى جيبى ..

وتحسس المسدس .. ولم يذهب إلى عمله .. وذهب إلى البيت ونام من غير غطاء ..

***

وفى الليل .. كان يروح ويجىء فى ظلام شارع " الأخشيد " بالروضة يرقب سيارة عزت .. وكمن له فى أحسن مكان اختاره لفعلته .. وكان الشارع ساكنا قليل الضوء .. والجو رطبا من قرب النيل وثقيلا .. والسماء كابية ..

وبعد ترقب وحذر .. جاءت سيارة عزت .. وابتعد أمين عن ضوئها .. وركنها عزت على رصيف الشارع كعادته ونزل .. وأغلق بابها .. وفى استدارته ليدخل بيته أطلق أمين النار .. ولم ير .. ولم يسمع بعد ذلك شيئا .. لأن المسدس كان كاتما للصوت والظلام يزداد بعد كل خطوة كثافة .. وأسرع خطوات معدودة .. ثم سار بتمهل حتى أحس بأنفاس النيل .. ورده هواء الليل البارد إلى صوابه .. وأخرج المسدس من جيبه وألقاة فى الماء بحركة سريعة عفوية ليتخلص من جسم الجريمة ..

وأخذ أول أتوبيس مر أمامه .. ونزل فى ميدان التحرير مع الركاب .. وقد شعر بأنه تحرر من شىء ثقيل ..

***

وفى الصباح الباكر .. جرى إلى بائع الجرائد .. وقرأ الصحف الثلاث .. فلم يجد عن فعلته خبرا .. وقال لنفسه ان الخبر لم يصل إلى الصحف بعد ..

وفى اليوم الثانى قرأ الصحف بنفس الاهتمام .. فلم يجد أثرا لما فعل .. وقرر أن يذهب فى النهار إلى شارع الأخشيد ..

فذهب وطالعه السكون المطلق من الشارع والمنطقة كلها .. وبحث عن أثر فراشة أو صوان فى الأرض مثل الذى يقام للجنائز .. فلم يجد شيئا يدل على ذلك ..

وخطر له أن يسأل البواب عن عزت ولكنه وجد فى سؤاله حماقة ..

وفى الأيام الثلاثة التى تلت الجريمة شعر بالهدوء .. وكان نشطا فى عمله ومرحا مع زملائه .. ولم يشعر بالندم لأنه قتل نفسا بغير ذنب ، وأدرك أن الإنسان فى حقيقته كذاب أشر حقا وفى دمه الشر .. وهو يطويه مرة ويظهره أخرى .. وفكر فيمن ولد عنده عنصر الجريمة من أسرته .. فلم يهتد إلى شىء ظاهر .. فجميعهم من الناس المسالمين الذين لايعتدون على أحد .. بل يعتدى عليهم ، ويعيشون فى استسلام تام للأقدار وصبر عجيب لتصاريف الحياة ..

ولماذا السرقة ..؟ هل أصابته العدوى ..؟ وهو الذى لم يكن فى حاجة لنقود ، ولم يتورط فى ورطة ..

ولماذا الجريمة .. انها مجرد أعصاب مريضة لإنسان فقد الاحساس بقيمة الحياة ونضارتها .. لعوامل نفسية مدمرة فى داخل نفسه تسلطت عليه بشكل رهيب ..

***

فى الساعة الثالثة والنصف تماما .. من بعد ظهر يوم الاثنين .. وفى شارع محمد فريد الزاخر بالمارة .. فى هذه الساعة المتحركة .. وضع " عزت يده على عاتق " أمين " ..

و قال بسرعة وهو يهرول :
ـ مروح .. تعال أوصلك ..
ولم ينتظر جوابه .. وهرول كعادته وغاب فى زحمة الناس ..
وأحس أمين بالدوار .. كانت المفاجأة فوق كل تقديراته وتوقعاته " فعزت " لم يصب ولم يجرح .. ولم يشعر حتى بأن أحدا أطلق عليه النار ..

وسقط أمين فى الشارع ، وأدخله بعض المارة فى أجزاخانة " يونيفرسال " وكانت على بعد خطوة .. ولما أفاق ورجع إلى نفسه .. ذهب إلى المطعم .. ووجد " فتحية " كأنها تنتظره .. وقرأت فى وجهه الموت والرعب فبكت ثم تماسكت ..

وتقلصت معدته .. وذهب وعاد إلى حوض الغسيل أكثر من مرة ..
ونفر العرق بغزارة من جبهته ويديه ..

وقال لها بصوت خافت :
ـ ابحثى لى عمن يرافقنى إلى البيت .. عبده .. أو أى أحد ..
ـ سأرافقك أنا ..
ـ اتعبك .. وأنت فى ساعة عمل ..
ـ محال أن أتركك وأنت على هذه الحالة ..

***

وفى شارع حسن الأكبر .. دخلا شقة صغيرة فى الطابق الثالث ..

وشعرت " فتحية " بالراحة بعد أن احتوتها الشقة وكانت تخشى من سقوطه منها فى الطريق ..

وقال لها بعد أن استراح على الكنبة :
ـ هذه الشقة دلنى عليها ممدوح .. وكان بها سيدة فرنسية تعطى دروسا فى الفرنسية للطلاب .. وغادرت البلاد ..
ـ ودفعت فيها خلوا ..؟
ـ يا ستى .. لقد سكنت فيها قبل أن يظهر الخلو فى سماء المساكن ..! تعجبك ..؟
ـ جدا .. وأنت ..؟
ـ هى لك أنت وأمك .. أنا ذاهب ذاهب ..
ـ إلى أين ..؟
ـ إلى جهنم ..!
وضحكت ..
ـ تضحكين .. اسمعى يا ستى .. من صديقك النبيل الصفات الذى تحبينه .. وتركت عملك الساعة من أجله ..

ممدوح هذا الذى دلنى على هذه الشقة .. كان صديق العمر .. ولقد سرقته ..
ـ سرقته ..؟
ـ نعم فى لحظة هوس سرقته ..

وأخذ يروى لها القصة من أولها .. إلى أن وضع عزت يده على عاتقه اليوم ..
وبكى بحرقة ..
وطوقت رأسه بذراعيها .. ثم احتضنته بحنان ..

وقالت بهدوء :
ـ ان خير سبيل لتعود إلى نفسك هو رد المبلغ لأصحابه ..
ـ لا أعرفهم ..
ـ تعرفهم ما دمت تعرف بلدة " ممدوح " والمسألة بسيطة ..
ـ ولكنى صرفت منه الكثير ..
ـ كم ..؟
ـ أكثر من ثلاثمائة وخمسين جنيها .. والمسدس بثلاثمائة وحده ..
ـ يعنى لم تصرف إلا ثمن المسدس تقريبا .. رده لمن اشتريته منه ..
ـ القيته فى النيل ..
ـ هذا خير أراده الله .. يمنع عنك التفكير فى الشر مرة أخرى وثمنه غرامة لك .. تحس بوجودها فى نفسك ..

واستطردت لتسرى عنه :
ـ ولكن مثلك يجب أن يشترك فى بطولة الرماية .. وهى على ما أذكر فى الصيف ..!!
ـ أنا معك .. انه هوس وعشاقه .. ولك الحق فى السخرية ..
ـ تشترى المسدس من أفاق .. ثم تضعه فى جيبك .. وتخرج به فى نفس الليلة لتقتل به إنسانا ..
الواقع أنك ستقتل نفسك أولا .. كيف تعيش وأنت الإنسان المتعلم المثقف بعد أن يرتد اليك عقلك .. ويشتغل ضميرك المعطل وتدرك جسامة فعلتك .. تعيش كالميت .. بل الميت أكثر منك راحة .. ويكون مصيرك الجنون المحتم ..
ـ ان عقلك أكبر من سنك .. اعطنى عقلك .. وخذى عقلى ..!

وابتسمت وقالت :
ـ ما زال عقلك فى أتم نضجه .. وقد انشغل ببراعة لتنجو من العقاب فاخترت الظلام .. والسكون .. والمسدس الذى لاصوت له .. ولكن غابت عنك أشياء .. غاب عنك أن هذا المسدس سيكون له صوت يصرخ فى أعماقك دوما ولا تحس به ..
لست مجرما ولم تخلق لتقتل نفسا بل لتحيى أنفسا ..
ـ هل تعلمت كل هذا من خروجك إلى الحياة .. وأنت صغيرة ..
ـ أبدا .. ليس من الشارع .. ولا من الاختلاط بالناس .. بل من والدى وعاش ليرسم لنا الخط المستقيم ويضرب الأمثال .. بعد كل خطوة .. ومات فقيرا وشريفا .. ككل الشرفاء .. والفقر هو الذى علمنى الحكمة وجعلنى أعمل وأنا صغيرة .. وأقرأ كل كتب والدى .. من العاشرة وأنا أقرأ بنهم .. وأتعلم من القراءة والحياة .. وسأظل فى التعليم حتى أكمل جميع مراحله ..
وسر أمين من طموحها وقوة ارادتها ..

وقال أمين وهو يشعر بالضعف :
ـ نسيت حتى أن أقدم لك كوبا من الشاى .. فى هذا البرد ..
ـ لا داعى لتعبك .. وسأخرج وأجىء بالمبلغ الناقص .. من ماما ..
ـ أبدا .. أبدا .. لا آخذ نقودا من نساء ..
ـ انها نقودك .. وهل نسيت كل ما أعطيته لى ..
ـ أنا أعطيتك ..؟
ـ نعم الكثير .. بالمئات .. ولماذا تنسى .. لقد كنت أعمل فى المطعم لأراك .. لأنك تأتى إليه فى معظم الأيام .. وكان يمكننى أن أغيره وأذهب إلى متجر .. أو مصنع .. أو إلى أى عمل آخر .. ولكنى اخترت المطعم بكل ما فيه من تعب ومظهر السوء .. لأضمن وجودك بقربى .. وخشيت أن غيرته أن أفقدك .. من اليوم الثالث لعملى تعلق قلبى بك بجنون ..
ـ أعرف هذا ..
ـ إذا عرفت هذا فكيف تتحول بهذه الصورة السريعة إلى انسان آخر ومختلف تماما .. عن الإنسان الذى أحبه .. لقد ولدت العشرة الطويلة أشياء كثيرة .. والنقود نقودك ..
ـ لا أقبل مليما واحدا .. حتى لو كان منك .. وسأحول مرتبى على البنك وآخذ سلفة ..
ـ وتنتظر اجراءات البنك الطويلة .. لا .. قطعة صغيرة من الذهب تجىء بالألوف .. والذهب الآن فى القمة .. والآن نم وفى الصباح سأكون أول من يوقظك ..

***

وجاءته فى الصباح وكانت فى أتم زينتها ونضارتها .. وأرته قطعة الذهب ..
وقالت له بسرعة كعادتها :
ـ ومتى تسافر .. إلى المزغونة .. سنبيع الذهب اليوم ..
وقبل يدها .. واخضلت عيناه بالدمع .. فأدركت حاله .. وجعلته ينفس عن كربته ..
وقال فى خفوت :
ـ سأذهب إلى عزت أولا .. وسنذهب بعربته فى يوم الجمعة المقبل .. وسنأخذ معنا الأستاذ طلعت .. لأنه يعرف أهل المرحوم .. فهو الذى حمل الجثة بعربته ..
ـ هذا أحسن .. وسنقول لهم أن سبب التأخير فى رد المبلغ هو السفر ..
ـ أنا لا أكذب ..!
ـ لا تكذب وتفكر فى القتل .. ألم أقل لك أنك إنسان طيب .. طاهر .. وانتابتك لحظة هوس .. كنت مأخوذا وأنت مسكين .. وأنا أحبك .. وأنت مأخوذ أكثر وأكثر ..
لأنه لاحول لك ولا قوة ..

وفى صباح الجمعة كانت " فتحية " أول من بكر بالحضور إلى شقة " أمين " ولاحظ أنها ترتدى ثوبا جميلا محتشما .. يتناسب مع من يزور أهل ميت .. وسر لبراعة تفكيرها ونضج عقلها ..

ثم جاء عزت بسيارته وعانقه أمين على الباب وبكت " فتحية " عندما رأت هذا العناق الذى طال وكان فيه كل الاعتراف وكل الغفران ..

أما طلعت فكان هو الذى يقود السيارة .. ويعرف الطريق جيدا ..

وتحركوا فى صمت أولا .. ثم حركت " فتحية " الألسنة الصامتة .. للكلام ..

وفاضوا فى كل الشئون .. وعندما جاء دور الإنسان ومن الذى يحرك سره فى دروب الحياة .. تحدثت " فتحية " باستفاضة عن الخيوط التى تحركنا ولا نراها قط .. وصمت الرجال الثلاثة .. ولكن الخيط كان يتحرك بجاموسة ثقيلة اعترضت طريق السيارة فجأة ..

وفرمل طلعت وقد لامس الجاموسة بخفة .. ولولا براعته الخارقة لقتلها ..

وتجمع الفلاحون من الغيطان كالجراد مع أنه لم يحدث ضرر لإنسان ولا حيوان ..

وسأل عزت :
ـ الجماعة دول .. حيموتونا ولا إيه .. فى عيونهم الشر ..
فرد أمين ضاحكا :
ـ اسكت .. طلعت .. حيتصرف وأنت عمرك ما تموت ..!
وضحكت فتحية ..

وعاد " طلعت " إلى السيارة بعد أن أنهى حديثه مع الفلاحين بلباقة وحسن تصرف ..

***

وعادت السيارة تشق الطريق بنفس السرعة .. وكانت فتحية تسمع صوت الموتور .. وكأنه موج البحر .. وضغطت بكتفها على أمين .. لتوقظه وكان فى شبه غفوة ..

================================
نشرت فى صحيفة مايو بالعددين 42 و 43 بتاريخى 16 و 23 نوفمبر 1981
================================

ص 15 السكاكين ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

قصة من القاهرة
السكاكين

قصة
محمود البدوى

ذات ليلة من ليالي الصيف التقيت بشاب وأنا أهبــط من سلم عمارة كبيرة تقع في شارع جانبي ، بحي عبــــد العزيز فهمي بمصر الجديدة .. وكان هذا الشاب يحمــل على ظهره القفص المستعمل في استنان السكاكين .. ويتحرك في الطرقة الداخلية بتؤدة وسكون ..
وكان منظره غريبا ، وهو يحمل القفص ، ويصعد به إلى الدور الخامس في مثل هذه الساعة من الليل . فتوجست منه شرا في الحال . وخمنت إنه صعد ليتلصص ، ويسترق السمع . فإذا تيقن من خلو الشقة من الساكن ، عالج فتحها بطريقته ودخل .. وإذا وجد سيدة بمفردها استغل هذا وكممها بطريقته الشيطانية واستلب ما يحلو له . وكان بالعمــارة عجــوز تعيش وحدهــا في نفـس الدورالذي وجدته فيه .

واقتربت منه وسألته وكان يسير أمامي في الطرقة :
- إلى أين يا أخ..؟
فاستدار بتكاسل وقال :
- طالع لشقة الست قدرية .. ؟
- من هي الست قدرية .. ؟
- ممثلة في السينما.. وهي التي طلبت مني الحضور اليوم ..
- لا توجد في العمارة ممثلات.. ولا توجد ممثلة بهذا الاسم .. ؟
- حضرتك ساكن هنا .. ؟
- لا ..
- كيف عرفت إذن أنه لا توجد ممثلة في العمارة اسمها الست قدرية .. ؟
- لي قريب يسكن هنا .. وأنا أزوره من زمن .. وأعرف كل السكان ..
- حضرتك غلطان .. الست قدرية تقيم هنا في الدور السابع ..
ـ تقيم أو لا تقيم .. كان يجب أن تصطحب معك البواب وأنت طالع عمارة الساعة التاسعة ليلا ..

وواجهني بكل تقاطيع وجهه بعد سماعه هذه الكلمات. ورأيت وجها طويلا، لوحته الشمس في سمرة خفيفة، ويغطي الشعر الأسود عارضيه كشيء محبب لنفسه، وليس عن كسل.. وجبهة عريضة مستوية تطل تحتها عينان باردتان لا بريق فيهما.. وكان أنفه أقنى وشعر رأسه أسود مثل الشعر النابت على ذقنه.. ويرتدي سروالا أخضر وقميصا مخططا مفتوح الأكمام.. وبحركة سريعة أخرج يده من جيبه ، واعتمد بأصابعه الطويلة على عضد القفص قريبا من " الجراب " وراقبت هذه الحركة بعين حذره ..

وقال بصوت هادئ يرد على كلامي :
- معك حق .. ولكني لم أجد البواب .. والست ستؤدي لي خدمة كبيرة ..

وانطفأ نور السلم في هذه اللحظة.. فتحركت سريعا لأضغط على الزر .. وشعرت أثناء فترة الظلام بالرعب . فما الذي يمنعه من استغلال الموقف ، وطعني بسكين .. وينزلق بعدها إلى السلم في هدوء الثعلب ، والقفص يحميه من الشبهة .. وعاد النور .. وألفيته في مكانه ثابتا يترقب ..

فسألته :
- ما الذي ستفعله لك الست قدرية .. ؟
- ستشغلني في السينما .. تعبت من الدوران .. ولا أحد يستن السكاكين الآن .. ذلك زمن مضى ..
كانت كل الدلائل تدل على أنه مخادع ، والقفص خدعة كبرى ، فهو لص محترف .. وخطير .

ورأيت أن أجاريه في الحديث .. وأصعد معه إذا صعد ، وأنزل إذا نزل حتى أسلمه في سكون إلى البواب ..

ومن الغريب أن الفترة التي استغرقها الحديث طالت بيننا ، ولم يخرج من أبواب الشقق ساكن واحد .. ولم تتحرك رجل على السلم .

ووجدته يتخذ طريقة إلى السلم لينزل بدلا من أن يصعد إلى الست قدرية .. فنزلت معه.

ولاحظت أنه سريع الخطو، والقفص الذي على ظهره بعجلته الدوارة لا يعوقانه إلا قليلا .

وفي مدخل العمارة كنت أتوقع وجود البواب على الدكة .. ولكن لم أجده . فساءني ذلك ولكن قلت لنفسي أسير معه حتى شارع عبد العزيز فهمي .. وفي أثناء ذلك قد ألاقي من رجال البوليس من أحكى له قصة تلصصه على الأبواب في الليل وأسلمه له .

ولكن لم يمر أحد .. وبعد ثلاث دقائق من وجودنا في هذا الشارع الطويل الواسع المتلألئ بالأنوار القوية .. انقطع النور فجأة . وخيم ظلام في سواد الفحم على الحي كله .. وأصبحت المنازل البيضاء شهباء ، وفي لون الرصاص . ووجدته يتجه إلى دكة حجرية ظهرت له على نور السيارات فاتجهت معه ، وجلسنا متجاورين .. بعد أن خلع القفص ووضعه بجانبه .

وأوجد الظلام الرعب ، والهواجس التي تدور في الرأس .. وتذهب وتختفي لتأتي بشيء جديد أشد رعبا..

وكنت أتوقع ألا يستمر انقطاع النور أكثر من دقائق قليلة ، ولكنه استمر ساعة وثقل وقعه على نفسينا ..

وكان القمر في المحاق ، والليلة كئيبة خافتة ، ساكنة الهواء ثقيلة ، وحركت يدي في جيبي فشعر بها ، وظل يلاحظني بترقب شديد . ولكنه لم يوجه إلىّ كلاما .. ظل صامتا وأطرق ..

ثم رفع رأسه ليقطع الصمت وسألني:
- ما الذي تبحث عنه .. ؟
- كنت أتأكد من وجود السلاح في جيبي .. !
- السلاح ! ؟ ولماذا .. الدنيا أمان .. ؟
- ولكن الظلام يولد الشياطين .. ويخرجهم من باطن الأرض .. وأنت لا تعدم أفاقا .. يقطع عليك الطريق ..
ـ ولمــاذا تخــرج في الليــل إذا كنت تخـاف من الشياطين .. ؟
- إن عملي يقتضي مني ذلك ..

وسألني بصوت خافت ، وهو يحرك جانب وجهه :
- وهل استعملت هذا السلاح .. ؟
- كثيرا .. كلما أحسست بالخطر ..
- إذن فنحن في أمان .. إذا طال هذا الظلام ..

ثم رفع رأسه واستطرد بصوت مألوف :
- ولكن سأضطر إلى الذهاب إلى بيتي إذا لم يعد النور بعد نصف ساعة ..
- أين تسكن .. ؟
- في الزيتون ..
- تدهمك السيارات المسرعة .. انظر إليها ، إنها تسرع في الظلام في جنون .

ولاحظت أنه لا صلة لنا بهذه السيارات .. ولا بالذين يقودونها فمهما يحدث لنا .. هم في شاغل تام عنه .. فلو تحرك وقتلني أو قتلته ما شعر أحد منهم بما حدث .. هناك انفصال تام بيننا وبين ما يحيط بنا .. لقد تقطعت بنا في هذا المكان الأسباب .

***

وكنت أود أن أتحرك به بعد أن يعود النور، إلى قسم مصر
الجديدة ، آخذة بالحيلة إلى قرب القسم وهناك أدعه للبوليس .. فإذا تركوه أو حجزوه فهذا ليس من شأني .. ولكن وجوده في داخل العمارة على هذه الصورة هو الذي رابني ، وبعث الشك في نفسي .. وأحسست به كأنه أغفى وهو جالس فقلت بصوت عال :
- هل معك سكاكين .. في هذا الجراب .. ؟

واستراح لهذا الســـؤال فقــد أدرك مـا في نفسي من خوف ..
- معي سكاكين كثيرة من كل الأنواع .. السكاكين التي تذبح الفراريج والتي تذبح الخرفان .. والتي تذبح الجاموس والعجول .. والتي تذبح الناس .. !
- الناس .. يارب الطف ..
- أجل مثل هذا السكين ..

وأخرج سكينا بنصل ملتو .. تلمع في الظلام .. !

وكان وجهه قد احتقن ، ولمعت عيناه ، بعد طول انطفاء لمعت في الظلمة ببريق غريب .

لا شك أنه يخيفني كما أخفته .. ولولا القفص الذي معه والذي يحمـله على ظهره .. لجـرى واختـفى في خطـف البرق ..

***
كانت السيارات تأتي في قافلة.. وتختفي في مثلها.. وكأنها تسابق الريح .. أو تخاف مثلنا من الظلام ..

وبعد أنوارها الساطعة المتداخلة.. يخيم سكون مطبق تسمع معه ضربات القلوب ..

وتذكرت وأنا جالس قصة " لتشيكوف " عن مسافر وحيد اضطرته الظروف .. أن يقطع في الليل والظلام مئات الأميال في قلب غابة ساكنة موحشة بعربة يقودها حوذي منخلع القلب .. وظل الاثنان في رعب وتوجس بعضهما من بعض إلى نهاية الغابة .. رعب الرعب ..

تذكرت هذه القصة .. عندما أوجدتني الظروف مع هذا الذي يستن السكاكين في مثل هذه الساعة من الليل حيث الظلام والتفرد .

ولم يخرج من البيوت المحيطة بنا ساكن .. كما لم نسمع صوت إنسان .

وكان ما يدور في رأسه ، مثل الذي يدور في رأسي .. فقد خيم ظلام الشك واستفحل .

وكانت أية حركة منه سأعاجلها بمثلها من جانبي دون تقدير للعواقب .

والإنسان عندما ينخلع قلبه يتحول إلى وحش .. وإلى مجنون .. وقدرت فارق السن الكبير بيننا .. وعملت حسابه .. ولكني لن أترك له فرصة للتلاحم بالأيدي قط .. سأعاجله عندما أشتم منه أقل حركة عدوانية .. ولن أجعله يصيبني وأترك في هذا المكان للتخلف والفوضى وسوء الإدارة في إسعافنا ومستشفياتنا ..

والظلام لا يخيفني ولكن يخيفني الذي يتحرك فيه .. وتذكرت أنني نمت وحدي وأنا في مرحلة الدراسة الابتدائية ، في بيت من ثلاثة أدوار .. واستمر ذلك عشرة أيام متصلة . إلى أن رجع زملاء الدراسة من إجازتهم التي قضوها في الريف .. ولم أشعر بالخوف قط في تلك الأيام .. فما الذي يرعبني الآن ويخيفني ؟ لم أكن وأنا صغير أشعر بالخوف ، ولم أفكر فيه ولم يشتعل به رأسي .. أما الآن فأنا أفكر فيه وقد شغل كل حواسي .. لقد خرج إلىّ هذا الرجل من السلم كما يخرج الشيطان .. ومن وقتها وأنا أتوجس منه.

***
ومرت عربة بوليس مسرعة .. وكنت أود أن أصيح وأستوقفها ولكني أدركت بعد تأمل أن في هذا العمل حماقة .. فالرجل لم يرتكب جرما أمامى ، ولم يفعل ما يؤاخذ عليه .. مافي رأسي مجرد شك .. وليس هناك أي دليل ضده يجعله مدانا..

ورأى العربة وهي تمرق كما رأيتها ولعله قرأ خواطري فشحب وجهه ..

وسألته :
- هل تخاف منهم .. ؟
- كل بائع جوال يخافهم .. إنهم يطاردونني في كل مكان .. وقد اشتغلت في كل الحرف بسببهم .. وليس معي بطاقة .. وإذا دخلت القسم فلن أخرج منه.. وسيجعلونني أنظفه وأمسح أرضه .. ما دمت في الحجز إنهم يثيرون غضبك الأسود ..

وانتفض وهو جالس . وأصبح حاله يخيفني ، وتذكرت كل قصص الرعب ، وكل ما أفزعني في الحياة .. ولم أجد لهذه الحالة نظيرا .. فأي أقــدار رمته إلىّ في هذا الليل الأسود .

***

وتذكـرت أنني وضـــعت في جيبي علبــتين مـن الســــجاير " جرافن " اشتريتهما الليلة من فوق كوبري رمسيس .. وقد أغراني البائع على الشراء لأن ثمن العلبة أربعون قرشا

فأخرجت علبة وسألته :
- أتدخن .. ؟
- نعم .. منذ الصغر ..

وقدمت له العلبة .. فسر كثيرا وأخذ يردد :
- تكفي سيجارة .. ومستورد .. أيضا ..
وأشعل السيجارة فسكنت نفسه .. وسألته :
- أهذه آخر حرفة لك .. ؟
- أجل .. ومنذ سنتين .. وأنا أستن السكاكين .
- والست قدرية .. ستشغلك بأجر طيب .. ؟
- كومبارس .. بثلاثة جنيهات وأربعة في اليوم ..
ولا يزال الظلام يلفنا وهو يدخن .

وقلت له :
ـ إن حرفتك مسلية .. ومعظم زبائنك من النساء .. فلماذا السينما التي تشتغل فيها يوما وتتعطل عشرة .. ؟

وأخذ الحديث الذي دار بيننا يسحب ظلال الشك ..
وعادت الثقة بين إنسان وإنسان .. وتفتحت نفسه فقال :
- كلامك صحيح.. ولكني تعبت من الدوران .. ومرة كنت سأنزلق وأطاوع الشيطان وأرتكب جريمة .. ولكن الله نجانى من كل شر ..

وسألته بشوق :
- كيف .. ؟
- ذات مرة .. في حوالي الضحى .. وكنت جائعا وتعبا وليس في جيبي قرش واحد .. صحت بصوتي كعادتي في الشارع فأطلت علي سيدة من الدور الثالث في هذا الحي الذي أتردد عليه .. وقالت :
- اطلع ..

فطلعت .. وكان بابها مفتوحا .. فوقفت خارجة .. وخرجت تحمل ثلاث سكاكين لأستنها ..

ولاحظت أنها تظلع وليس بها من عرج ، ولكن شيئا أشبه بالشلل في رجلها اليسرى .. فتألمت جدا لحالها .. ولكنها عندما اقتربت لتسلمني السكاكين ، وجدت في عنقها قرطا مرصعا بالجواهر لا يقل ثمنه عن ألف من الجنيهات .. ولم أسمع حسا في الداخل .. وتأكدت أنها في هذه اللحظة وحيدة .. فقال لي هاجس الشيطان انك بحركة سريعة ، ودون أذية لها تستطيع أن تنزع منها القرط دون أن يحس إنسان .. أكممها أولا وأوثق يديها من خلفها ، وأربطها في ثوان بهذا الحبل في الداخل .. ثم أهبط السلم سريعا .

والإنسان فى هذه الساعة الجنونية يفكر بروح البطل ! ولا تدور في رأسه العواقب قط .. يختل عقله تماما ويتعطل .. وأنا في خواطري هذه سمعت الست تسألني وهي تحدق في وجهي ..
ـ أنت تعبان .. ؟
- في الحق دايخ شوية .. يا ست ..
- لازم جعان .. لم تفطر .. سأجيء لك بلقمة ..

ودخلت سريعا إلى المطبخ وعادت بجبن ولبن وبيض .. تصور ! ! ومثل هؤلاء النسوة كثيرات في البيوت .. ويمر على بابهن مثلي .. وغيرهن بخيلات ودميمات ومن شر أنواع النساء في الأرض .

بعد أن شبعت ارتد إلىّ عقلي الذاهب ..
وقالت لي :
- تسمح تعملي خدمة .. النهاردة آخر يوم في الشهر .. والشغالة التي تنظف لي البيت ، وتقضى حاجاتي لم تحضر
فهل في إمكانك أن تجيء بالتموين من البقال .. وذكرت لي اسم البقال .
- حاضر .. يا ستي ..
وأعطتني البطاقة وخمسة جنيهات ..

وقد جعلتني هذه الثقة أخجل من نفسي .. ولما عدت وجدتها تمسح المطبخ .. فقلت لها وأنا أدمع بعيني :
- عنك .. يا ستي ..

وأخذت أمسح المطبخ وخارج بابها .. كل الفسحة .. وسمعتها تقول :
- عشت ..
أنا عشت .. ! ! إني ميت منذ ولدت .. وتقول لي هذه الست التي في جمال الملائكة .. عشت .. أخذت كالمجنون .. أمسح وأغسل الحوائط والأرض والجدران .. والنوافذ .. أنا أسمع عشت في حياتي من أجمل نساء الأرض .. أنا البائع الجوال المطارد من البوليس .. والشريد الطريد في كل مكان .. عشت .. أردت أن أقبل قدميها قبل أن أنزل ولكني خجلت أن تلوث شفتاي جسمها .. وناولتني جنيها ونزلت .. وقد شعرت أن حياتي الضائعة ردت إلىّ .. لقد أخرجت من ظهري كل السكاكين التي انغرست في لحمى ..

وكانت كلما سمعت صوتي في الشارع تناديني لأستن لها سكينا أو أصلح شيئا .. وتعطيني أضعاف أضعاف ما أستحق .. ثم لم أعد أراها ولعلها ذهبت إلى مستشفى .. وخجلت أن أسأل عنها ..

وأنا أتردد على هذا الحي منذ سنة ، وبعض السّتات يقدمن لي المال شفقة بي ، دون عمل يذكر من جانبي لأن صنعتي مضى زمنها .. وقلت لنفسي إن هذا أشبه بالتسول ولا أرضاه .. ولما قالت لي الست قدرية أنها ستجد لي عملا في السينما سررت كثيرا ، وسأعود لأسأل عنها غدا .. إنها لا توجد في بيتها إلا في الليل ..

وعاد النور إلى الشارع فنهض ليلبس القفص وقبل أن يتحرك أعطيته علبة السجائر الأخرى التى معى .

وحياني وذهب يطويه الليل وفي نفسه كما في نفسي كل الهواجس التي دارت في نفسينا والتي اشتدت أثناء الظلام ولكن بددها النور تماما .
***

ومشيت متمهلا فى الشارع الطويل .. ولما عرجت إلى شارع جانبي .. كان نوره خفيفا فاستراحت له نفسي ..
وعلى رصيف الشارع رأيت سيدة تتحرك أمامى بتمهل ، تسير قليلا ثم تتوقف ، ولا أدرى أنزلت من المترو .. أم من عربة أجرة .. أو خرجت من دار العلاج فى نفس الحي .

ولما اقتربت منها أدركت حالها .. نفس حالة المرأة التى وصفها لى الذى يستن السكاكين .. الشلل الخفيف فى الرجل اليسرى . ولم أكن أدرى أهى هى .. أم هذه سيدة أخرى شبيهة بها .. أصبحت بجوارها .. ونظرت إلىّ ونظرت إليها .. كانت تسير خطوات وتتوقف برهة .. فمددت يدى ..

فقالت برقة :
ـ إن هذا يعوقنى عن السير أكثر .. يكفى أن تكون بجـانبى ..

وسرت بجوارها كانت جميلة رشيقة القوام وفى رونق شبابها وفى رواء فى لون العناب .. ومن عينيها يطل الإيناس والسحر ..

***
وفى بيتها دخلت معها حتى أركبتها المصعد .. ولم تذهب صورتها من مخيلتى أبدا ..
=================================


نشرت القصة بصحيفة مايو المصرية ـ العدد رقم 13 فى 25/5/1981 وأعيد نشرها بالمجموعة التى تحمل نفس الاسم لمحمود البدوى عام1983
==========================







ص 14 المارد ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى


حريق القاهرة فى الأدب المصرى
المــارد

قصة محمود البدوى

مرض " أمين " بالحمى وطال مرضـه ، ولمـا أحـس ببعض العافية ، رأى أن يخرج من البيت ويتريض قليـلا ، لأن الرقـاد الطويل فى الفراش أصابه بالوجع فى عظامه ولحمه ، وأصبح فى حالة من الضعف جعلته لايكاد يتماسك .

ولما خرج إلى الشارع ولامسته شمس الأصيل ، وحرك رجليه شعر بدبيب القوة يعود إليه ، وأخذ يمشى دون وجهة معينة .

وكان يسكن فى السبتية .. فوجد نفسه وهو يسير ملاصقا لشريط الترام فى ميدان المحطة ، وإذا بالدخان الكثيـف يخيم والحرائق لاتزال مشتعلة فى العمارات والمتاجر .

وكان قد سمع من الإذاعة قبل أن يخرج من البيت بحريق القاهرة ، ولكنه لم يكن يتصور أن الأمر يصل إلى هذه الدرجة من السوء ، ووصل الدخان إلى خياشيمه ، وكانت أخشاب العمارات تطقطق ، والسماء تلفها سحب الدخان الكثيفة .

ووجد أن النار كثيرة فى شارع ابراهيم .. ولكنها معدومة فى شارع كلوت بك فاختار الشارع الذى ليس فيه نيران .

وقبل أن يخطو أول خطوة .. إذا بفصيلة من الجنود تحاصر الميدان وتقبض على كل من كان فيه .

وأدخلوهم كقطعان الماشية إلى " قسم الأزبكية " .. وكانوا أكثر من ثمانين شخصا ، فيهم الشبان والشيوخ ، ولابسى الجلابيب ، ومرتدى البدل .

وكانت غرفة الحجز لاتسعهم جميعا ، فقسموهم إلى نصفين .. وضعوا الأول فى غرفة الحجز والثانى فى غرفة مجاورة كما اتفق ، وعلى البابين الحراس بالسلاح .

ومع كثرة الجنود داخل القسم وخارجه .. ولكن الفوضى كانت ضاربة أطنابها .. وكل الظواهر تدل على أن الزمام قد فلت .. فقد بوغت البوليس بالحريق ، ونهب المتاجر ، فى كل مكان فى القاهرة الواسعة .. ووجد المشردون والرقاع والسوقة الفرصة مواتية .. ولن تفلت من أيديهم .. فتركزوا فى القلب حيث المتاجر الكبيرة الغنية بما فيها .

ولما تحرك البوليس بعد أن أفاق من وقع الصدمة ، كان هؤلاء قد هربوا واختفوا بأسلابهم .. ووجد البوليس أكثر ما وجد فى الشارع الذين لا علاقة لهم بالسلب والنهب .. ووجد الذين يتفرجون على النـيران ، والعائدين بعـد العمـل إلى بيوتهم .. ولأنه يريد أن يثبت وجوده ، فحاجز الجميع .. واختلط الحابل بالنابل .

ومع أنهم وزعوهم إلى غرفتين .. ولكن أكثرهم أحس بالاختناق .. فالحجرة لاتتسع لأكثر من عشرة أشخاص فكيف تتحمل وجود أربعين .

ومع الفوضى والاضطراب .. فقد أخذت التليفونات تدق باستمرار .. وكان المأمور قد أخذ يستشير رئيسه .. فى استحالة بقاء هؤلاء فى القسم إلى الصباح .
وبعد أخذ ورد تلقى الاشارة بنقلهم إلى سجن مصر .

ولم يكن المحبوسون داخل القسم يعرفون شيئا مما يجرى فى الخارج .. ولكنهم كانوا يشمون آثار الحريق .. والاضطراب فى الداخل والخارج .. وسرى الخوف إلى نفوسهم .. فعندما تشيع الفوضى .. يصبح من السهل عمل كل شىء .. الجلد والقتل .. ومواراة الجثث فى الصحراء .. واسدال الستار على المأساة كلها ، وما حدث شىء وما من جريمة وقعت .

ورغم الشتاء أحسوا بالاختناق والعرق المتصبب .. وشل الخوف والرعب كل حركاتهم .. ومنهم من تبول على نفسه وهو واقف وقاعد ..

وكان من بينهم من دخل سجون الأقسام قبل ذلك .. فأخذ الأمر كله بعدم مبالاة واستهتار .. ولكنه أفاق لنفسه عندما سمع ممن حوله أن الأمر هذه المرة يختلف .. وأن الجريمة الجديدة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة .

وكان " أمين " أكثر الموجودين رعبا وفزعا .. وشعر بالمرض يعود إليه بكل لمساته القاسية ..! وقعد على الأرض فى مكان وقوفه . وكان من بين المحبوسين من هو أسن منه وأصغر ، فنظروا إليه فى اشفاق ، وقدم له واحد من الكبار سيجارة فأشعلها وهو يحس بتأثيرها على أعصابه .
وصرخ واحد :
ـ أخذونى وأنا مروح ..
ـ كلنا كده ..
ـ ولمن نتظلم ؟..
ـ ومن يستمع لمظلمة فى هذا الجو المضطرب ؟

وسمعوا صوت ضابط ..
فصاح أحدهم ..
ـ أنا أعرفه .. انه مقبل بيه .. تربى مع الكونستبلات الإنجليز .. وأصبح كواحد منهم .
ـ أبدا .. لاتفكر هكذا .. الجمهور تحرك وثار اليوم ليرد على ما حدث لهم فى الإسماعيلية بالأمس .. ضرب الإنجليز الأنذال .. الجنود البواسل .. بعد أن فرغ سلاحهم .. وطوقوهم بالدبابات .. أنذال .. والجنود الذين تراهم وتسمعهم فى القسم مصريون .. كلهم مصريون ينفذون الأوامر ..
وخيم السكون والصمت .

وشعروا بالظلام عندما أضيئت المصابيح الكابية فى القسم ، وشعروا معه بالرهبة .

وظلت الحركة فى داخل القسم وخارجه مستمرة .. وكان وقع أقدام الجنود له صدى رهيبا فى نفوسهم .. كأنه وقع السياط ، ولم يعرفوا لذلك سببا .

كانوا محبوسين كالجرزان دون عقوبة ودون سبب .. وعندما أخرجوهم إلى الصالة .. تجمعوا كقطيع الغنم .. فى مكان واحد ضيق .. كأنهم يتوقعون شرا سينزل بهم فجأة .. وكل واحد يطلب العون من الذى بجانبه .. ولهذا التصق به واشتد التصاقه .

وشاهدوا من باب القسم لوريا ضخما .. يقف على بعد خطوات من القسم .. ثم يتحرك حتى يصبح ملاصقا لبابه .. وكان حوله الجنود فى ملابسهم السوداء ذات الأزرار النحاسية التى طمسها الدخان .. ولم تكن الاضاءة قوية لا فى الخارج ولا فى الداخل .

وبرز من حجرة جانبية بعض الضباط وبعض المخبرين .. يلبسون البلاطى على الجلابيب ويغطون رؤوسهم بالطواقى والملاحف .

ثم ظهر أطول هؤلاء جميعا وأضخمهم ، وكان يرتدى معطفا داكنا على جلباب أخضر ، وبيده عصا قصيرة ، وكان وجهه نحاسيا ، وعيناه تبرقان وتستعرضان الوجوه فى الصالة .

ولمح المخبر " أمين " من بين الواقفين المرعوبين المحشورين هناك فى زاوية من الصالة ، لمحه ثم شدد نظره إليه ليجد التجاوب من الوجه الآخر .. ولكن " أمين " كان متخـاذلا وضـائعـا فى هواجسه فلم يعرفه ولم يرد على نظرته ..

عرف المارد أن أمين جاره فى الحى .. وهو موظف فى الحكومة ، فما شأنه بهؤلاء وكيف وقع بينهم ..؟

ومرت سحابة من الغم فى رأس الرجل الذى كان يؤدى عمله كل يوم برتابة وعدم شعور .. يدفع الأنفار إلى اللورى وينزلهم .. وكأنهم دمى .. ويسوقهم إلى القسم فى طوابير .. وكأنهم قطعان من الضأن .. مرت فى رأسه سحابة لأول مرة .. لأول مرة يواجه موقفا صعبا .. أن أمين جاره فى الحى فكيف يتركه لهذا المصير المظلم ؟ كيف يرديه بيديه .. كيف يسوقه إلى مصير مظلم .. إلى الأشغال الشاقة مع الرعاع من الصبية والنشالين والنهابين للحوانيت ومشعلى النار فى المتاجر ..؟

كان رأس المارد يشتغل ويفكر .. ورأى أن يظل فى مكانه على الباب .. وكانوا قد قسموا المحبوسين فى الداخل إلى قسمين ، واصطف القسم الأول فى طابور .. وكان " أمين " فى القسم الثانى وابتهج المارد لذلك.

وبدأ القسم الأول يتحرك فى بطء إلى اللورى .. وكان المارد هو الذى يعد الأنفار ويصيح :
ـ واحد .. اثنين .. ثلاثة ..

والعسكرى الذى فى داخل اللورى يتلقى العدد بالتمام .. ويصيح أيضا :
ـ واحد .. اثنين .. ثلاثة ..
وشحن اللورى الأول وتحرك إلى السجن ..

وجاء اللورى الثانى .. وكان الجمـهور فى الخـارج قد شعر بهؤلاء المقبوض عليهم فى الداخل .. فأخذ افراده يتجمعون خارج القسم وكثر عددهم .. وخشى الجنود أن يفلت منهم الزمام بعد تكاثر أهالى المحبوسين .. فيخرجون المحبوسين بالقوة .. ويصل الاضطراب إلى مداه .. فحركوا اللورى .. وجعلوه يقف بالطول ، ومؤخرته قريبة من سلم القسم .. وفى الظلام ما أمكن .

وتحرك طابور المحبوسين ببطء .. وابتدأ العدد .. وكان المارد يسلم النفر إلى زميله فى اللورى .. بصوت عال وبالعدد .. كما فى اللورى الأول .

وجاء دور الشخص الذى قبل " أمين " .. فأمسكه المارد من عنقه .. وصفعه وصاح فيه بصوت كالرعد :
ـ انت بتسب الحكومة يا خنزير ..
ـ أبدا .. أبدا .. يا بيه ..
وصفعه مرة أخرى .. وحدث اضطراب وزعيق .. وركل المارد " أمين " .. بقوة .. وصاح فيه وهو يدفعه بذراعه ..
ـ اجرى .. اجرى فى هذه الحارة .. يا متعوس ..

وجرى " أمين " وجرى .. ولا يدرى وهو قائم من المرض كيف كان يسابق الريح .
=================================
* نشرت
قصة " المارد " لمحمود البدوى فى مجلة الثقافة المصرية بالعدد 80 مايو 1980 وأعيد نشرها فى كتاب " قصص من القاهرة " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2006
* حريق القاهرة فى 26 يناير 1952
=================================


ص 13 الظرف المغلق ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

الظرف المغلق
قصة محمود البدوى


ركبت " المترو " من المحطة النهائية ، عندما كانت هناك فى الكورنيش ، وكانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساء والزحام على أشده .. والجو رغم دخول الليل ، بادى الحرارة ..

وكان يجلس أمامى على المقعد المقابل مراهقان تبادلا السجائر بمجرد جلوسهما ، وأخذا ينفثان الدخان فى وجهى باستهتار وميوعة .. وبجوارى من ناحية الشباك ، رجل سمين الوجه ، قصير العنق ، أسمر .. شغل نفسه بالحاجات التى يحملها ، فقد كنا فى بداية الشهر .. وكان معظم الواقفين يحملون فى أيديهم أشياء .. الرجال .. والنساء .. وكانت الممرات مكتظة عن آخرها ، والأنفاس مخنوقة فى الحر الشديد ، والزحام بلغ الذروة ..

والجو كله ، لوقفة المترو التى طالت ، يوحى بالكآبة والضجر ..
وأخيرا تحرك المترو .. وفى محطات .. الاسعاف .. وبنك الدم .. والمحطة .. وكوبرى الليمون .. ركب ركاب جدد .. رجال ونساء بكثرة متزايدة ، وكانت تقف بجوارى فى الطرقة سيدة حشرت نفسها بين الواقفين حشرا .. ونظرت إلى وجهها ، وأشفقت عليها .. كانت على حالة شديدة من الاعياء والضيق والحيرة .. ولكن هذا كله لم يخف نضارة وجهها .. ودفعها راكب فسقط ما تحمله على أرض العربة .. فالتقطه لها ورفعته إليها .. وفى عزمى أن أعيده إلى يدها .. ولكن نظرة منها فى وقفتها التعيسة جعلتنى أبقيه فى يدى ، رغم أنى اعتدت ألا أتناول أشياء من يد السيدات قط فى مثل هذه الحالات ..

ووجدتها بعد محطة أخرى ، وهى لاتكاد تتماسك فى وقفتها تلقى فى راحتى حقيبة اليد دون تبادل أية كلمة .. وقد أضطرت إلى هذا .. عندما انطلق المترو وأصبح يهتز .. وأصبح من العسير عليها الوقوف دون أن تقبض بيدها الخالية على المقابض التى فى أعلى الكرسى ..

وعلى التو أخذت أسائل نفسى لماذا وضعت فىّ هذه الثقة دون سائر الركاب ..؟ وأتانى الجواب سريعا ، لأنى أقرب راكب إليها والصقهم بها .. وفى مظهرى الوقار الذى لاتنفر منه النساء .. والمراهق الذى أمامى مباشرة ، والجالس فى نفس الطرقة ، يثرثر بصوت عال ، ويأتى بحركات منفرة .. ولهذا استبعدته مع أنه أقرب الناس إليها من بعدى ..

وبالنظام والدقة والحرص .. وبكل ما اعتدته فى حياتى ، أخذت أملأ عينى من ملامـح وجهها وأقيس طولها وعرضها وأعرف لون فستانها ، حتى لاتضيع منى فى زحمة الركاب .. وأعطى الحقيبة واللفة لغيرها ..

ولما تحققت تماما من قوامها ، وهندامها ، ولون عينيها ، وتسريحة شـعرها ، تركتهـا تستريح فى وقفتها فى المكان الملائم لها .. بعد أن كان الركاب يدفعونها بقسوة ومعها الكثيرات من النساء .. من يمين وشمال .. ثم العكس ويحدث ذلك كل ثلاث دقائق ، بترتيب ونظام كأنه مرسوم فى جدول ..

وقد يدور سؤال جوهرى فى هذه الحالة .. لماذا لم أقف لها وأتخلى عن مكانى ..؟ والموقف الإنسانى والرجولى يتطلبان ذلك ..

والجواب يأتى سريعا .. ولماذا أقف لها وحدها .. وهناك خمس نسوة ، واقفات فى الطرقة ، مجاورات لى ، مضغوطات فى ذلك المكان الضيق ، ومنهن من لطعت نفسها بجانب النافذة ، ومن كانت أكبر من صاحبتى سنا .. والوضع الصحيح يقتضى اراحة المسنة أولا ..

ولهذا كان التفضيل سيسبب المشاكل والحرج .. فقد آثرت البقاء كما أنا .. كنت فى أشد حالات التعب ، والضيق النفسى من رائحة السجائر ، ومن وقدة الحر فى الليل الصيفى الرهيب .. ومن الزحام الخانق ..

وبعد أن غادر " المترو " محطة الدمرداش .. شعرنا بانقطاع النور عن المنطقة كلها . خيم ظلام دامس .. ولكن المترو ظل يسير بطيئا .. فحمدنا الله على ذلك ..

وبحاستى السادسة وبسرعة ، بحثت عنها بعينى .. فوجدتها واقفة هناك ونصفها العلوى تحت باصرتى ..

وفجـأة ودون أية مقدمات شممت رائحة الدخان ، وسمعت الصراخ .. جاء الاثنان معا .. وأدركت بعد ثلاثين ثانية من التنبه التام ، أن العربة التى نركبها تحترق .. وكانت الثانية من القطار ..

وفى لحظـات انقطـع التيار عن المترو .. وخيم ظلام يضل فيه البصر .. فلم يكن هناك نجم فى السماء ، ولانور فى الأرض ..

وخـرج الدخان واللهب من بطن العربة .. والصراخ من أفواه الركاب ..
وفى دقيقة واحدة فرغت العربات كلها من القطار ..

وخرج الركاب إلى الحصى والرمال والحلفاء والهيش على جانبى الطريق ..

وعنـدى بلادة فطرية لمثـل هذه الحوادث المفاجئة .. فأنا لا أروع منها .. وانما ألاقيها بأعصاب باردة .. ولهذا كنت آخر من نهض وغادر العربة .. ولم يكن ذلك عن استهتار ، ولااستهانة بالأمر .. ولكن كنت قد جربت بأن مثل هذه النيران المشتعلة ، تخمـد بمجرد فصل التيار ، واهالة التراب .. ولكن العربة فى هذه الليلة اشتعلت كلها ، ولم ينفع التراب ولا انقطاع التيار ..

وفى لحظات تنبه حسى وأنا على الأرض ، بين الحصى والرمال والهيش ، بأنى أحمل لفة وحقيبة لسيدة ، كانت منذ دقائق معى فى نفس العربة ..

وحدقت فى الوجوه التى كانت تتحرك على الشريط إلى محطة الجامعة .. لأنها كانت أقرب محطة .. وكان شريط المترو .. هو الطريق الوحيد الصالح للسير ..

وأخذت أتفرس فى كل وجه .. ثم بدأت أهرول ، رغم وعورة الطريق لأبلغ أول راكب .. ثم أرجع لأرد البصر وأحدق فى الظلام ..

وكانت كل هذه المحاولات عبثا .. وقد تصورنى بعض الركاب فقدت صغيرة لى .. ونظروا إلىَّ باشفاق .. لأنى كنت أحدق بجنون فى وجه ظلمة كئيبة لاتستريح إليها عين ولاقلب ..

وفقدت هدوئى بعد أن تسرب إلىَّ اليأس فى محطة الجامعة .. وكان فيها نفر قليل .. أما الباقون فقد تفرقوا فى كل الدروب ، ومنهم من نزل فى الظلام ليأخذ الأتوبيس القادم من نفق العباسية ..

وتبادر إلى ذهنى أن أقترب من كل سيدة كانت فى المترو .. وأسألها أن كانت تعرف السيدة التى تركت حقيبة يدها معى .. ثم استحمقت هـذا السؤال .. فماذا يكون موقفى لو قالت لى واحدة منهن أنها تعرفها ..؟ الوضع فى هذه الحالة ، يقتضى أن أسلمها الحقيبة دون مناقشة .. وهل فى هذا الدقة الواجبة والحفاظ على الأمانة ..؟

وشعرت وأنا أبارح المحطة بغمة قبضت قلبى وعصرته ، لأنى باستسلامى المطلق ، وقبولى الحقيبة واللفة من يد هذه السيدة المجهولة ، قد سببت لها الازعاج والقلق ، وقد يجعلها الحادث الشؤم الذى وقع تفكر فى أنى هربت بالحقيبة وما معها .. فيا لسوء الطالع ..

***

وفى محطة السيارات أمام جامعة عين شمس .. مر أتوبيس 500 ومر آخر ، ومع أن الزمن بين الواحد والآخر قد يزيد على الأربعين دقيقة ، ولكنى لم أركب على أمل أن تأتى مثلى إلى المحطة ..
وبلغت البيت والظلام لايزال يخيم ..

ولما دخلت من الباب ، كانت والدتى جالسة فى الصالة وقد أضاءت شمعة ..

ولكن لم أجلـس معهـا وأنا داخـل كعـادتى ، بل اتجهت إلى غرفتى توا ..
ولكنها استوقفتنى ..
ـ لماذا تأخرت يا حسن .. يا ابنى ..؟
ـ الظلام .. والمواصلات .. يا أمى ..

ودخلت غرفتى دون أن أسمع باقى أسئلتها .. ووضعت الحقيبة واللفة فى دولابى بسرعة وأغلقت الباب .. وعدت إلى والدتى ..
فسألتنى :
ـ ما الذى كان معك ..؟
ـ شغل من المكتب ..
ـ رأيت حاجة سوداء ..!
ـ دوسيه .. يا أمى .. دوسيه .. دوسيه ..
ـ ومالك مكشر .. وشايل الدنيا على كتفك ..

وشعرت بالضيق الشديد والأسف لأنى لأول مرة أخاطب والدتى بغلظة ..
وقلت بهدوء :
ـ سآخذ دشا .. وزكية تحضر لى العشاء ..
ـ المية مقطوعة ! وزكية روحت .. أقوم أنا أحضر لك لقمة ..
وأضافت وهى تنهض :
ـ فيه ميه فى البانيو .. أغسل وجهك وتوضأ ..
وزاد هذا من غمى ..
***

وأكلت ، وجلست أتحدث مع والدتى ..
وجاء النور مع الطعام .. فشعرت ببعض الراحة ..

ولما نهضت لأنام فى غرفتى .. كان أول شىء فعلته بعد أن أغلقت الباب هو أن أفتح الحقيبة لعلى أهتدى إلى اسمها وعنوانها .. ثم أرى ما فى اللفة ..

وبدأت باللفة وكان فيها بلوزة صيفية على مقاسها بلون سنجابى جميل ، وقد تصورتها على صدرها .. وشعرت بهزة ..

وأسرعت إلى الحقيبة ففتحتها وأخذت أقلب فيها .. بدقة .. كان فيها أدوات الزينة التى تحتاجها السيدات .. أدوات كاملة أنيقة .. ثم كيس جلدى أنيق أيضا وبداخله سبعة جنيهات وستة عشر قرشا .. ثم رواية " الحلم " لزولا فى طبعة صغيرة جميلة وبداخل الكتاب ظرف أزرق مغلق .. ولم يكتب عليه اسم ولاعنوان .. ولا شىء آخر ..

ووقفت عند هذا الظرف .. فان بداخله رسالة .. رسالة على ورق خفيف ناعم .. رسالة وليس نقودا .. رسالة فلمن كتبتها ..؟ ولمـاذا أبقت الظرف من غير عنوان ولماذا أغلقته ..؟ هل كانت فى عجلة ..؟ هل ترددت بعد كتابة الرسالة ..؟ ولهذا لم تكتب العنوان على الظرف .. أم أن الفرصة لم تساعدها بعد كتابة الرسالة .. فوضعتها سريعا فى الظرف وتركت العنوان لتكتبه فى مكان آمن بعيدا عن كل العيون .. كطبيعة المرأة ..
فكرت فى هذا كله ..

وساءنى أنى لم أعثر فى داخل الحقيبة على بطاقة تدل على عنوانها ، لم أعثر اطلاقا على شىء يدل عليه ..

وشعرت بحسرة ، وطويت الحقيبة واللفة ، ووضعتهما فى مكانهمــا من الدولاب ..

وأغلقت النـور ونمت وأنا أفكر فى هذه السيدة وأتمثلها بكل شكلها ، بكل جمالها وشبابها ورشاقة قوامهـا .. وكانت ثقتهـا فى مطلقة .. فيا للحظ التعس ..

***

فى اليوم التالى حرصت على أن أركب المترو فى نفس الميعاد علها تهتدى بغريزتها إلى ذلك .. فنلتقى فى نفس المحطة .. ولكن مر أسبوع ، وشهر كامل ، دون نتيجة ..

وفكرت فى نشر سطرين فى الصحف .. ولكن النشر قد يسىء إليها ، وربمـا كانت متزوجة ، وكتمت خبر فقد الحقيبة كلية عن زوجها .. بسبب الظرف الذى تحويه الحقيبة ، وما فيه من أسرار ..

وقد لاتكون هناك أسرار .. ولكن ما جدوى النشر واحتمال وقوعها على الصحيفة بنسبة واحد فى المليون ..

وسواء أكان فى داخل الظرف سرها أم لم يكن .. ولكن فيه ما جعلنى أحرص على أن أقدم لها الحقيبة بنفسى ..

ولا أدرى سبب اليقين الراسخ الذى جعلنى أعتقد بأننى سألتقى بها مهما طال الزمن ..
ولهذا اليقين كنت أتحرك ..

وشعرت فى الشهر التالى بلذة خفية ، وسيطرت هذه السيدة على حواسى كلها .. كأننى لم ألتق بأنثى قبلها فى حياتى ..

فكنت أتصورها فى يقظتى وأحلامى .. وأحدق فى كل من ترتدى بلوزة قرنفلية .. كأنه لايوجد فى النساء سواها يرتدى هذه .. أو كأنها ستظل ترتديها فى الصيف والشتاء ، والصباح والمساء .. وكانت نظرة ناعسه فى عينيها .. نظرة مسترخية وهى تعطينى الحقيبة جعلتنى أتذكرها بوضوح .. وأميزها عن نظرة غيرها من النساء .. ولذلك فإن الاهتداء إليها كان فى نظرى سهلا .. حتى ولو وقفت وسط جمع من النساء وكن فى مثل سنها وشكلها ..

وكنت أستخرجها أول ما يقع بصرى على عينيها .. يالله.. من يغفل عن هاتين العينين ..

***

فى صباح الجمعة كنت أدخل المحلات التجارية بمصر الجديدة .. عمر أفندى .. اركو .. لعلى أهتدى إليها ..

ثم قلت لنفسى ومن يدرينى أنها من سكان مصر الجديدة ، ربما كانت من سكان منشية البكرى .. أو كانت ضيفة على القاهرة .. ونازلة عند قريب لها من سكان هذا الخط وسافرت ..
كل هذه الخواطر دارت برأسى ..
ثم حدث ما جعلنى أصل إلى حالة يأس مطلق ..

ورأيت أن أتصدق بالمبلـغ الذى وجـدته فى الحقيبة على إنسان
أعرفه .. أما البلوزة والحقيبة نفسها فستبقيان عندى كذكرى لحادث جميل وقع فى حياتى ..

واخترت الشيخ " شعبان " لأعطيه المبلغ ، ولكن بطريقة لاتؤذى شعوره .. وكان يصلى العصر دائما فى مسجد الحسين ، ويبقى هناك فى صحن المسجد إلى صلاة المغرب ..
وفى هذه الفترة من السهل الالتقاء به ..

وذهبت إلى المسجد فى صلاة العصر فلم أجده .. فجلست بجانب عمود فى الصحن أترقب الباب لعله يدخل كعادته ..

وكان هواء العصارى لينا فى داخل المسجد .. فغفوت نصف اغفاءة .. وحلمت بالسيدة تزور الضريح مع النساء بعد الصلاة ..

ففتحت عينى وأنا أقول هذا ليس بحلم .. انها فى الداخل قطعا .. وأسرعت إلى الضريح .. فوجدته ممتلئا بالنساء وحدهن .. وخجلت من الدخول .. وتراجعت إلى مكانى من الصحن ..

ولما يئست من وصول الشيخ " شعبان " اتخذت سبيلى إلى الخارج وأنا أفكر فى زيارته فى يوم آخر ..

وكان الجو فى داخل المسجد غيره فى الخارج .. كانت حرارة يوليو لافحة فى الخارج .. فملت إلى موقف الأتوبيس لأروح ..

وانتظرت 190 لينقلنى إلى الاسعاف ، ومن هناك آخذ المترو ..
وجاءت سيارة وكانت مزدحمة .. وخلفها أخرى فركبت الثانية .. وكان فيها مقـاعد .. واندفعت كغيرى لأجلس ، وجلست بجوار سيدة ..

وكانت هى وتبادلنا النظرات .. وأحسست بقلبى كالمطرقة .. ولكنى كدت أرقص من الفرح وأقبل كل ركاب الأتوبيس ..
وقلت بصوت الحالم :
ـ لقد بحثت عنك فى كل مكان .. لمدة عام ..
ـ وأنا ..
ـ وأخيرا التقينا ..
ـ وأخيرا ..
ـ الأرض كروية .. حقا ..!
ـ هل كنت تشك فى هذا ..؟
ـ فى الواقع كنت أشك ..!
وضحكت بعزوبة

وسألتها وأنا أحدق .. لم تكن بلوزنها قرنفلية فى هذه المرة .. بل كانت بيضاء بفتحة فى العنق أرتنى جيدها كله ..

سألتها بفرحة :
ـ هل كنت فى داخل المسجد ..؟
ـ أجل .. ذهبت لأقرأ فيك الفاتحة ..!

وعـادت العينان الناعستان تضحكان .. فأغمضت عينى عن هذه الفتنة ..
واستطردت توضح سبب الزيارة لضريح الحسين ..
ـ ابنى نجح فى الابتدائية .. فجئت لأوفى بالنذر ..
ـ مبروك ..

وكلمة ابنى أصابتنى بلدغ العقرب .. فتجهمت .. يا للحماقة .. هل كنت أتصور أنها غير متزوجة وخالية لى وحدى .. يا للحماقة .. وما علاقتها بى .. وخجلت من جهامتى ..
وسألتها :
ـ هل عرفتنى وأنا أجلس بجوارك ..؟
ـ أجل .. وبسرعة شكلك غير مكرر ..
ـ هل ذاهبة الآن إلى البيت ..؟
ـ نعم .. وسأنزل فى الاسعاف لآخذ المترو ..
ـ سـأرافقك لأعرف العنوان .. وأجىء لك بالحقيبة والبلوزة الليلة ..
ـ العنوان كان بالحقيبة ..
ـ كيف ..؟ لقد بحثت جيدا فلم أجد شيئا ..
ـ انه فى الظرف .. فى داخل الظرف اسمى وعنوانى ..
ـ ولكنى لم أفتح الظرف .. وكيف أفتحه وهو لايخصنى ..؟
ـ عرفت هذا .. وتيقنت منه ..
ـ والآن خذى نقودك .. وقد حملتها معى لأتصدق بها ..

وحكيت لها قصة الشيخ " شعبان " فضحكت بحرارة وهى تتناول نقودها ..
وقلت :
ـ سأرافقك لأعرف البيت وأجىء بالباقى الليلة ..
ـ لاداعى للتعب .. نستطيع أن نلتقى غدا صباحا فى نهاية المترو .. أو المكان الذى تختاره ..
ـ هل عملك قريب من التحرير ..؟
ـ فى ميدان التحرير نفسه ..!
ـ فى المجمع إذن ..!
ـ فلم ترد .. وابتسمت برقة ..

فقلت لأبعد عنها الحرج ..
ـ إذن سنلتقى فى الساعة الثامنة إلا ربعا فى نهاية المترو .. وإذا حصلت أية ظروف طارئة ، فها هو اسمى وعنوانى لكى لانتوه عن بعض مرة أخرى ..

وتناولت الورقة .. وقالت :
ـ حاضر .. يا أستاذ " حسن " وسأكون هناك قبل ذلك ..
ـ وسننزل من الأتوبيس .. ونركب مترو عبد العزيز فهمى معا ..
ـ سنركب معا .. ولكن إذا جلست بجانبى لاتحدثنى ..!!
ـ حاضر .. يا ستى .. حاضر ..
يا للدنيا العجيبة ..
وقلت وأنا استرجع فى رأسى ما جرى فى تلك الليلة :
ـ ان ما آلمنى وترك جذوره فى نفسى ، هو أن تكونى وحدك فى تلك الليلة ، ويجعلنى سوء الحظ لاأهتدى إليك .. فأتركك للظلام ووحشة الطريق ..
ـ لقد روعت .. وبكيت كثيرا ..
وتفطر قلبى لما جرى لها .. وسألتها :
ـ هل اتجهت فى تلك الليلة إلى محطة الجامعة ..؟
ـ لا .. رجعت إلى الدمرداش .. ووقفت مع الناس فى محطة السكة الحديد ..
ـ هذا أحسن ..

وكنا نتحدث كأننا متعارفان من سنين طويلة ، وعجبت لذلك .. والواقع أن العام الذى مر علينا ، منذ أول لقاء ، بكل صوره وأحلامه ، نسج حولنا نسيجا قويا ، وجعل الرباط طبيعيا وفيه الفه صادقة ولهذا لم يطل عجبى ..

وركبنـا مترو عبد العزيز فهمى .. وجلسنا متجاورين .. ولكن لم
نتحدث .. كما شاءت لها طبيعتها ..

***

وجـاءت إلى نهاية المترو .. فى اليوم التـالى .. وكانت فى أجمل ثيابها .. وأجمل من كل سيدة رأيتها فى حياتى .. وكان الصباح أجمل من كل صباح مشرق ..

وأعطيتها الحقيبة والبـلوزة .. وعيناهـا تشرقان بالدمع .. وسلمت .. ومشت ..

ورأيتها تتخذ طريق النيل .. وبعد خطوات قليلة أخرجت الظرف ومزقته .. وألقت بقصاصاته فى دوامات الماء ..






====================================
نشرت القصة بمجلة الثقافة ـ العدد 65 فى فبراير 1979 ـ وأعيد نشرها فى مجموعة قصص لمحمود البدوى ..... و "قصص من القاهرة " ـ مكتبة مصر
====================================