الثلاثاء، 2 يناير 2007

ص 18 المسكين ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

المســكين

قصة محمود البدوى


لمح الأجزخانة مضاءة من بعيد .. فاستدار واتجه إليها بخطوات متأنية حذرة ..

وكانت الحركة فى هذا الشارع الطويل المعتم ، قليلة فى مثل هذه الساعة من الليل .. لأنه خال من الحوانيت ..

ولأن الضاحية الهادئة تعيش على المترددين على المستشفى الكبير فى النهار .. وعلى العيادة التى كونتها الجمعية الخيرية فى الشارع الثالث القريب من المستشفى .

والعيادة والمستشفى يقل زوارهما فى الليل .. لأن العيادة تغلق أبوابها .. والمستشفى يظل ساهرا لاستقبال الحوادث !

أما فى النهار فما أكثر المرضى الذين يترددون على العيادة التى أنشأتها الجمعية .. فهناك فرق واضح الدلالة بين زيارة طبيب فى عيادته بعشرة جنيهات للكشف .. وزيارته بخمسين قرشا فى عيادة الجمعية .

كان الجمهور فى الواقع يستريح جدا لمثل هذا التخفيض الملموس ، حتى وإن كانت طريقة المعاملة تختلف فى الحالتين .

ولهذا وجدت الأجزخانة فى هذا الحى .. أو أوجدها صاحبها بذكاء وكياسة ..

فالمرضى يخرجون من المستشفى والعيادة إلى الأجزخانة مباشرة وبيدهم تذكرة الطبيب .

وغالبا ما يقول لهم الطبيب وهو يكتب الدواء ، إذا سأله المريض ..!
ـ الدواء موجود يا دكتور ..؟
ـ موجود .. وتجده فى أجزخانة عبد الحليم على الناصية .. والذى لا تجده هناك ابحث عنه فى أجزخانة الاسعاف .

ودون تعب المشوار إلى الاسعاف .. يعثر المريض على كل طلباته من الدواء فى أجزخانة عبد الحليم .. فصاحبها كتلة من النشاط ، ويعمل كالنحلة .. ويدرك أن من أبرز عيوب الأجزخانة أن يسمع المريض كلمة .. ناقص فى السوق ..

وكان " زكريا " قد راقب هذه الأجزخانة ودار حولها وطاف سبعة أيام كاملة .. راقبها من بعيد ودخل فيها مرتين يشترى أدوية خفيفة الأسبرين والنوفالجين ..

وكان الذى يقابله ويبيع له الدكتور عبد الحليم نفسه .. ولكثرة مشاغل الدكتور وكثرة الرواد ، فإنه يبيع ويقبض الثمن دون أن يكون عنده وقت يسمح له بالتطلع إلى وجه الزبون ..

فهو يتناول الورقة المالية من الزبون .. فى الوقت الذى يكون فيه لف الدواء فى ورقة .. وأرجع له الباقى مع اللفة فى عملية سريعة ميسرة .. اعتاد عليها وألفها .. وإذا لم تكن هناك قروش معدنية .. فإنه يضع الريفو .. وأمثاله فى كرتونة كبيرة أمامه .. ليعوض بهذا النقص فى النقود ..

وقد تعجب إذا علمت أن الدكتور يقوم بكل هذا العمل وحده .. ويقوم به ساعات طويلة دون أن يظهر علية أى أثر للتعب .. أو تقرأ فى ملامح وجهه .. وتعابير دخائله النفسية .. أى تذمر أو ضجر ..

وقد تعلل هذا بأن الإيراد اليومى الكبير فى آخر الليل ينسيه كل مشقة .. وهذا السبب هو الأغلب والأعم فى الدافع النفسى للعمل .. أو أن يكون الدكتور قد صرف النظر عن مضايقات الزبائن وطرحها وراء ظهره كلية .. وأكثرهم من النساء .. وغالبيتهن تترك طبيب الكشف الذى كانت عنده منذ دقائق .. وتأخذ الشرح المطول على عمل الدواء وخصائصه من الدكتور عبد الحليم ..
وما تضايق قط ولا قال لواحدة :

ـ لقد كنت عند الدكتور مهران منذ لحظة يا ستى .. فلماذا لم تسأليه عن كل هذه الأشياء التى تطلبينها منى .. أنا صيدلى يا ستى .. ولست طبيبا باطنيا .. ولا طبيبا متخصصا فى أمراض النساء !؟

ما كان يقول ذلك لواحدة منهن قط .. بل كان يبتسم فى رقة .. ويجيب عن كل الأسئلة قدر علمه !

***

وعندما دخل " زكريا " الأجزخانة فى الليل .. لم يجد الدكتور عبد الحليم .. ووجد مكانه سيدة طالعته بوجهها المتجهم .. ولكنه لم ييأس وقرر أن يواصل المشوار ..

وجلس ساكنا على أحد الكراسى الخشبية الموجودة فى المدخل مجاورا للباب .. وسمع صوت السيدة وهى تحاور الزبائن على قلتهم .. الآتين إليها من أماكن بعيدة .. لأنهم يعرفون أنها الأجزخانة الوحيدة التى تظل .. ساهرة . . سمعها فى حدة صوتها وعصبيتها .. وقابل كل هذا بهدوء وسكينة ..

ورمقته فى مكانه مرتين .. بنظرة مستكشفة .. ولكنها لم توجه إليه أى كلام .. على اعتبار أنها اعتادت على مثل هذه الجلسة الساكنة الصامتة من المرضى الذين يخرجون من المستشفى إلى الأجزخانة مباشرة .. فتتركهم أولا لاسترداد أنفاسهم .

وكان هو يطالها من زاويته .. ويحاول أن يعرف كل خصائص طباعها .. لاحظ الصوت على حدته .. ولاحظ الوجه الجامد الذى ليس فيه نعومة الأنثى .. بل كثيرا ما تنتفض فيه عروق الجبهة بشكل واضح .. فى حالة الامتعاض من شىء لاتستطيع مغالبته ..

ولاحظ أنها تحرك ماكينة الحساب فى كل مرة .. وتضع النقود فى الدرج فى كل مرة كذلك بحركة رتيبة وسريعة .

ولم يبق فى الأجزخانة سواه .. وكان الحى كله يوحى بالكآبة والصمت والموت .. والشىء الوحيد الذى يدل على الحياة هو نور النيون المضىء باسم الأجزخانة .. والذى يلمع وينطفىء .

وحدجته بنظرها وسألته .. لما لم يتحرك ويسأل :
ـ أى خدمة ..!

فرد بصوت واضح :
ـ حقنة ..
ـ حاضر ..

وقال هو على الفور بصوت أكثر هدوءا مما قال فى السابق :

ـ فى الوريد .. والدكتور عبد الحليم اعتاد أن يعطيها لى .
ـ أنا زوجته ..
ـ تشرفنا ..
ـ ويمكن أن أعطيها لك فى الوريد مثله ..
ـ يسرنى أن تقومى بعمله ..

وسألته بعفوية ونباهة .. وقد بدأ الشك يساورها بعد أن تأملت وجهه .. سألته وهى توليه ظهرها وتعبث فى صفوف الأدوية على الرفوف ..

ـ حضرتك ساكن فى نفس العمارة ..
ـ فى الشارع ..!
ـ لم أرك من قبل قط ..

وقال فى نفسه ملتوية وضعيفة مع حدة صوتها .. ولكنها بدأت تشك ..!

ورد بلهجة قوية !

ـ وضرورى تعرفى وتشاهدى كل ساكن فى منشية البكرى ..؟
ـ أبدا .. الحق معك ..!

وخرجت من وراء الطاولة .. وبرزت قصيرة العود سمينة .. فى معطف أبيض قصير ومفتوح .. ووجهها فى جملة تقاطيعه لايدل على وسامة تريح البصر .. وكان زكريا يستريح للجميلة من النساء حتى وان كانت سليطة اللسان أو غبية .. أما هذه فلا ..!

وزاده وجهها توترا .. وبعدت عنه .. وانشغلت بالرفوف وحساب الإيراد .. وتصور أنها بعد الحقنة ستغلق وتمشى .. وقد تضيع منه الفرصة أو تتأجل .. أو يتمها على عجلة .. وهو لايحب العجلة فى مثل هذه الأمور ..

***

وكاد أن ينسى الشىء الذى جاء من أجله .. فقد طغى الألم على الياف لحمه .. وأصبح يحس به بحدة وضراوة .. وظهر أثره على وجهه ، فقد اختنق ، وبرزت عروقه ، ونفر الدم إلى صدغيه ، وأخذ فى مثل عمل المطرقة .. وغشيته دوامة أشبه بالغيبوبة ولكنه تماسك ..

وكان الشارع قد أقفر تماما .. وبدت الوحشة فيه .. ولكن الشارع الرئيسى القائم فيه المستشفى ، كان فيه بعض الحركة .. من السيارات .. وسابلة الطريق فى الليل الأسود .

وكان زكريا رغم تعبه متمالكا لأعصابه .. فأخذ يدور ببصره فى رفوف الأجزخانة ويحصيها .. ووجدها ثمانية .

وهناك سلم طويل .. كما أن هناك مخزنا بالداخل وضعت فيه علب الكرتون الصغيرة والكبيرة .. وحتى هذه وضعت بنظام .. ثم لافتات .. عن شركات الأدوية .. بارك ديفز وسيبا وساندوز .. ولعلها من عهد والد الدكتور عبد الحليم .. فالشركات الآن لاتعلن عن نفسها كما كانت تفعل من قبل .. لأن الجمهور يشترى الأدوية النافعة والضارة بسبب توتر الحياة وضيق الأنفاس فيها من الزحام .. الزحام ..

والمريض فى القاهرة وفى مصر بصفة عامة .. إما أن يذهب إلى الأضرحة وقبور أولياء الله الصالحين ويطلب من الراقدين فيها العون والشفـاء .. أو يتردد على الأجزخانات لمرض ظـاهر أو خفى ..

وهو فى الحالتين تعس ومسكين .. بل وفى أشد حالات المسكنة ..

وقد تأتى زيارة الأضرحة بحالة نفسية تستريح لها النفس ويشفى بعدها من المرض أو يخف تدريجيا ..

أما الدواء فهو فى أحسن حالاته سم قاتل .. وان نفع فى ظاهره .. كالحقنة التى يحملها زكريا .. والتى كاد أن ينساها فى دوامة تفكيره ..

ودارت السيدة وراء الطاولة وتنبه لها .. وهى مقبلة نحوه .. ووجهها لايزال على حاله ولكنه لان قليلا .. وأرخت جفنيها وهى تقترب من شاب لايتعدى الثلاثين من عمره .. وفى وجهه وسامة بادية وفى عينيه التألق والسواد اللذين تحبهما كل أنثى فى مثل سنها فهى أكبر منه بعشر سنوات طويلة ..

وقالت :
ـ هات الحقنة ..
فأخرجها من جيبه وناولها لها ..
فكأنما لسعتها عقرب ..
ـ هذه .. ؟!
ـ نعم مالها ..؟

ـ هذه الحقنة ممنوعة قانونا ..
بغلظة وحدة .. ونفرت عروق جبهتها كعادتها عندما تثار أعصابها
ـ وهل تطبقين القانون علىّ وحدى ..؟
ـ على كل الناس ..

ـ ولكن الدكتور عبد الحليم .. أعطانيها أكثر من مرة .. وهذا جعلنى أجىء إليه ..
ـ أما أنا .. فلا ..

ـ لماذا .. وأنا أقدر أن تكونى أكثر منه رحمة .. لأنك سيدة وتدركين مقدار ما أحس به من عذاب ..؟
ـ الأحسن لك أن تتعاطى الأفيون .. بدل من الحقنة لأنها قاتلة ..
ـ وأين أجده ..؟!

وضحك ورآها تضحك لأول مرة .. لانت ملامحها وكاد يتصورها جميلة .. وقد ظلمها من قبل فكم للابتسامة من سحر .. كم لها من سحر ..

ونظرت إليه طويلا .. طويلا .. وأدامت النظر .. وخشى من نظرتها ولكنه تماسك ..

وغيرت من لهجتها وسألته :
ـ متى بدأت تأخذ هذه الحقنة ..؟
ـ منذ سنة وتسعة أشهر ..
ـ سنة وتسعة أشهر ..

كررت كلامه برزانة
ـ أجل ..
ـ سرطان ..؟
ـ لا .. صدقينى سيارة .. وحدث ارتجاج فى المخ .. وكسر فى العظم وعالجت هذا وجبرت ذاك ولكن يبدو أن كل شىء تم على خطأ فاحش .. ولا ذنب لى .. وأصبحت أحس دوما بنشر فى عظامى .. وصداع رهيب فى رأسى واضطررت بعد طول عذاب أن الجأ لهذه الحقنة ..

وسكت .. ونظرت إليه بإشفاق ..

وأرخى هو رأسه .. وأخذ يقول لنفسه ..

ليس فيما قلته الحقيقة .. والحقيقة أننى كنت أسوق سيارة فى الليل بشارع النيل .. فصدمت لجنون السرعة رجلا كان يعبر الطريق .. ولم أقف ولم أتمهل لأعرف ما جرى للرجل المسكين .. لأن السيارة لم تكن سيارتى .. كانت سيارة زميل فى الدراسة .. ومع أن هذا لايمنع من الوقوف ولكنى لم أقف فقد كنت على موعد مع فتاة فى ملهى بالهرم .. ولم أجد الفتاة بالطبع .. ولكنى قتلت الرجل .. ولم أفكر حتى فى النظر إليه .. أو فى حمله .. ربما كان حيا .. وأبسط الأشياء أن أحمله إلى مستشفى ولكننى تركته من أجل عاهر فى ملهى !

من ميسالين .. إلى كليوباترا .. إلى كاترين .. وقبلهن امرأة العزيز .. والمرأة هى المرأة فى كل عصور التاريخ .. وعاد الرجل الذى كومته فى الشارع عاد إلىّ بلحمه .. عاد إلىّ فى كل ليلة فى صحوى ومنامى ..

لو رجعت إليه ونظرت حتى إلى وجهه لاسترحت .. لو نظرت إليه وتركته بعد ذلك فقد أستريح .. ولكنى تركت كل شىء يسبح فى ضباب المجهول .. فى ضباب العذاب الأبدى للإنسان ..

لو حملته فى السيارة والقيته فى النيل لكان أحسن وربما كان أخف حملا فى نفسى لأننى كنت أعرف أننى دفنته فى اليم .. ولكنى تركتـه فى الطريق وأنا لا أدرى أمـات هو أم لايزال فيـه رمق الحياة ..؟

ربما كان كهلا وقد يريحه الموت .. ولكنه كان يود أن يرى نظرة من إنسان قبل أن يموت .. يطالعه وجه بشرى فى مستشفى أو حتى فى الطريق ..

ولكنى تركت الرجل فى الظلام والعدم .. فجاء إلىّ فى كل ليلة ..
ووجدت بعد العذاب الطويل فى الحقنة الراحة ..

أنا أهرب من نفسى .. أهرب من جرمى .. أهرب من كل الوجوه التى رأيتها فى تلك الليلة المشئومة وأنا أسوق السيارة الملعونة .. وكأنهم كانوا يشيرون إلى شخصى بعد أن قتلت الرجل ويطاردوننى .. فى ضراوة وعنف .. وظلت المطاردة مستمرة ..

عبد الخالق .. وفوزى .. وكامل .. وعبد الرافع .. هؤلاء جميعا هم أصدقاء وزملاء دراسة فى الجامعة .. ولا صلة لى بأية جمعية دينية أو حزب سياسى .. أبدا .. أبدا .. أنا هارب من نفسى .. ومطارد .. وسأظل مطاردا ما دمت أعيش ولا حيلة فى ذلك .. ولكن مطاردة البرىء والمظلوم والعاجز .. تقلبه إلى وحش .. أو تجعله فى ضعف وعجز الموتى ..

ولا نفع لمثل هذا الإنسان فى الحياة ..

لانفع ولا خير يأتى منه لإنسان .. إنه ميت حى ..

كان يتمتـم .. ونسى نفســه تماما .. نسى ما جاء من أجله ..
وسألته السيدة ..!

ـ حضرتك بتكلمنى ..؟
ـ أبدا .. فقط .. أستعجل الحقنة ..
ـ حاضر .. بعد أن أفرغ ما فى يدى على طول .. والحقنة كما تعرف فى الداخل وراء هذا الحاجز .. وحدقت فى وجهه .. وما دار فى رأسها خمنته تيقنت منه الآن .. نفس الصورة التى رأتها فى الصحيفة وإن تغيرت بعض الملامح بفعل المرض والمعاناة ..

وأطرق زكريا برأسه .. ولكن لاحظها فى كل حركاتها .. حركت التليفون فى الداخل .. ثم وضعت السماعة ..

وقالت له برقة .. رآها ناعمة كجلد الحية ..
ـ دقيقة واحدة إلى أن تغلى الحقنة ..

وبصر بها .. تدخل فى جوف الأجزخانة .. ثم تخرج من الباب الداخلى إلى الشارع .. وحرك الحزام .. الذى وضع فيه المسدسين واستعد متأهبا لكل طارىء ..

إنها ذاهبة إلى تليفون تعرفه فى العمارة .. أو ذاهبة لتخبر أى شخص بوجوده .

وفى سرعة رهيبة .. اتجه زكريا .. إلى المكتب الذى وضعت فى درجه الإيراد .. وأخرج المفاتيح وهو يتطلع إلى كل ما حوله فى الداخل والخارج بعين الصقر ..

ومن الغريب أن أول مفتاح وضعه فى الدرج فتحه ..وأخرج رزمة الأوراق المالية .. وكانت قد حزمتها فى ضمة كبيرة .. ووضعها فى جيبه وخرج سريعا .. ويده على سلاحه ..

وعلى الرغم من سرعة هذه الحركة وعنفها .. وأنه يفعله لأول مرة .. وقد ينسيه الانفعال الذى تسببه أشياء كثيرة .. أشياء كثيرة لا تخطر على البال .

على الرغم من ذلك فإنه عاد يتذكر الحقنة التى فى جيبه .. بعد أن أصبح فى وسط الجمهور السابح فى بحر الليل .. وبعد أن أحس بالصداع وطرقات المطرقة ..

وتذكر طبيبا يعرفه فى عزبة النخل .. ذهب إليه مرة ليأخذ هذه الحقنة .. وعامله برفق وقدر ما هو عليه من ألم وتعاسه ..

وسريعا وجد نفسه يركب قطار المرج .. ووجد القطار مزدحما بالركاب .. ولعله كان آخر قطار يتحرك إلى هذه الضاحية .. فقد نسى جدول المواعيد .. كما نسى الكثير مما يجرى فى نهر الحياة .

ووجد الجمهور يتحدث عن الأشياء التى لايحب سماعها .. الأشياء التى تتكرر على السنتهم ولا يملونها أبدا .. الأغذية الفاسدة .. والمجمعات .. والبقالين .. والتجار .. والذى هرب والذى قبض عليه .. لاشىء يتحدثون عنه ويفكرون فيه غير الطعام .. ما يملأ البطن .. أما ما ينير العقل ويفتحه فلا .. ما يهذب المشاعر .. والسلوك .. ويفرق بين الإنسان والحيوان .. فلا .. انهم كأبطال تشيكوف فى مسرحية " بستان الكرز " لاحديث لهم غير الطعام ..

لا شىء غير الطعام .. ولا شىء يملأ بطونهم .. ولا شىء يشبعهم .. ولا شىء يشبع نهمهم .. وبطونهم المتعطشة للطعام .. التفكير والسعى كله فى نطاق حيوانى بحت .. نوروا عقولكم وسعوا مدارككم .. أنتم شر فسادا من المفسدين والمضللين .. وأنتم الذين أوجدتم الرشوة والفساد والاهمال لأن هذه الأشياء كلها خرجت منكم ..

قبل أن تركبوا هذا القطار .. هل نظرتم إلى تمثال رمسـيس .. انه على مرمى البصـر من كل إنســان يتحرك هنا ..

انظروا إلى التمثال وتأملوا ودققوا النظر .. انه أعظم شىء نحته وصنعه فنان .. إن ميكائيل انجلو يركع أمام صانعه .. وأمام عظمته ..

نحته صانع مصرى من أجدادكم ..

أنظروا إلى الأهرامات .. أنظروا إلى التوابيت والتماثيل فى المتحف .. أنظروا إلى الأجسام المحنطة التى لاتزال وجوهها تنطق بالحياة .. ولو كلمتها لردت عليك ! ولا أحد يتصور أن هؤلاء موتى ! .

ســنابل القمح .. وأطبـاق الطعـام .. يا للروعة .. أى مجد ..

هؤلاء هم أجدادكم أيها الحمقى .. فلماذا تخلفتم عنهم .. من صلبهم خرجنا .. وسرنا ..

شعر زكريا بضيق شديد .. ونظر فى وجهه المصفر راكب .. فسأله :
ـ حضرتك تعبان ..؟
ـ لا .. وليس هذا من شأنك .. هل طلبت منك المساعدة ؟
ـ آسف ..

وحول الراكب وجهه .. ولم يأسف زكريا لأنه كلم الرجل بجفاء .. لم يأسف لأنه كان يشعر بالغيظ .. بالغيظ يتفجر من داخله .. وبالتعب الشديد ..

ولما صعد إلى شقة الطبيب كان المسدس فى يده .. وفتحت له فتاة صغيرة الباب فخجل من نفسه ورد المسدس إلى جرابه .. وفكر فى أن يعطى هذه الفتاة الجميلة لفة الأوراق المالية التى فى جيبه .. اللفة كلها ويعدل عن السفر للخارج .. يعدل نهائيا ..

ووضع يده فى جيبه ليخرج الأوراق ..
وعندما جاء الطبيب من الداخل .. وجد " زكريا " ساقطا على الباب .
=================================
نشرت القصة فى صحيفة مايو المصرية بتاريخ 2861982

ليست هناك تعليقات: