الثلاثاء، 2 يناير 2007

ص 19 القاضى ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

القــــــاضى

قصة محمود البدوى


يشغل الأستاذ عبد العظيم مركز القاضى بمدينة القاهرة .. ولما كان سكنه فى الضاحية التى تقع فيها المحكمة التى يزاول فيها عمله ، فقد حرص على أن يخفى مركزه كقاض وهو يتعامل مع الجمهور .

ومع أن معظم البيوت قد خلت الآن من الشغالات وكل أنواع الخدم .. ولكن الأستاذ عبد العظيم رزقه الله بشغالة صغيرة جاءت مع زوجته مذ تزوج .. وظلت مقيمة لحسن معاملة الزوجة وللطابع الإنسانى فى الزوج القاضى نفسه .. فقد كان يريحها من الكثير من الأعمال .. ويشترى هو وزوجته معظم حاجات البيت .

وكان يركن عربته وهو راجع من عمله تحت العمارة التى يسكنها ويسعى بقدميه إلى شراء الفاكهة .. وكان تجارها فى صف واحد .. ويحملون نفس الطبع فى التعامل مع الزبون .. وكانت زوجته تبتاع هذه الأشياء من قبل .. فلما شكت له بأن بائعا منهم جذب من يدها كيس الفاكهة بغلظة وفظاعة وأخذ يبرطم لأنها ردته بلطف لغلوه فى الثمن .. منعها زوجها من وقتها أن تتعامل مع هؤلاء لأنه لا يحب أن يتدخل فى أمر من اختصاص البوليس .. وإذا كان البوليس غير موجود فى هذه الأمكنة فهو لايستطيع أن يوجده ..

والجمهور المتعامل مع هؤلاء التجار يعرف أنهم جميعا من قرية واحدة .. وقد احتكروا تجارة الفواكه واستغلوها بجهالة وجشع .. وأى شاب متخصص أو متعلم يفكر فى أن يزاول مثل هذا العمل يخنقونه فى شهر واحد بوسائلهم .

وعلى رأس هذه الجماعة رؤوسهم فى سوق روض الفرج .. وهم يستعملون طابع القوة فى معاملاتهم ويتحدون السلطة بجسارة .. فإذا سعر البطيخ أخفوه وكذلك البرتقال والعنب .. ويصبح المحل فى يوم وليلة يبيع المعلبات والبقالة .. ولا تدرى كيف انقلبت رخصة بائع الفاكهة فى ساعة واحدة إلى بقال .. وتاجر خردوات .. ولكنه استخفاف بكل القوانين والنظم .

***

وفى ظهر يوم لاحظ الأستاذ عبد العظيم وهو يركن العربة تحت العمارة .. وجود شابة تبيع البرتقال والموز والكمثرى .. تحت باكيه فى نفس الشارع .. فاشترى منها وهو مسرور لحسن معاملتها .. فهى لاتغلو فى السعر وتبيع أجود الأصناف وتتركه ينتقى ويختار .

وأصبح من ذلك الوقت يشترى منها .. وهو يعجب لحسن الصدف التى تسهل للناس الأمور .

ولاحظت البائعة .. أنه بعد أن يشترى يصعد إلى العمارة التى على يمينها مباشرة .

فسألته وهى تشير إلى العمارة :
ـ حضرتك ساكن هنا ..؟
ـ نعم .. فى الدور الخامس ..
ـ من اليـوم .. لاتتعـب يا بيـه .. وتحمـل أى شىء .. سأريحك أنا ..

وأصبحت تحمل طلباته إلى باب الشقة .. وعرفتها الست وسرت بها وأصبحت تكلفها بأشياء أخرى من متطلبات البيت .

***

وبعد ظهر يوم لم يجدها الأستاذ عبد العظيم فى مكانها .. كما أنها لم ترسل له راتب الفاكهة كعادتها .. وتصور أنها مريضة أو تركت عملها .. أو شغلت بعمل آخر ونسيها .

وبعد عشرة أيام رآها فى نفس المكان ومعها أقفاص الفاكهة .. وسر لعودتها .. وسألها :
ـ أين كنت ..؟
ـ طاردونى يا بيه .. وفى كل يوم لابد من الدفع .. والدفع من قوت العيال .. أنا بربى ثلاثة أيتام يا بيه .. واتحمل هذه المشقة بسببهم ..

وقال القاضى فى نفسه وهو يبتسم ويتألم لحديثها :
ـ هذه جريمة رشوة صريحة .. وأننى لا أستطيع أن أصدر حكما فيها ..
وسألها :
ـ ثم ما الذى حدث ..؟
ـ نصحنى بيه طيب مثل حضرتك .. أن أطلع رخصة .. وطلعت الرخصة .. والآن سأضع أصبعى فى عينه ..

وأشفق القاضى على بساطتها .. وسر لعودتها .. وكانت فى كل يوم تزداد أمامه طيبة وأمانة .. فوجوده أو غيابه لايغير من طريقتها فى المعاملة فهى دائما تختار أجود الأصناف .

وذات يوم قالت الست لزوجها وهى تبتسم كأنها ظفـرت بغنيمـة :
ـ اليوم سأزن الكيس الذى حملته البائعة ..
ووزنت ووجدته يفى ولا ينقص ويفيض بالكثير .. فقالت الست معقبة :
ـ هذه المرأة غريبة .. وسط هذه الجموع التى جبلت على الغش .. وتمادت فيه .. وما الذى جعل الناس تتمادى فى الغش على هذه الصورة ..
ورد زوجها :
ـ إنه التحول المادى الذى جرف كل شىء فى طريقه .. والعجلة إلى الكسب بأسرع الوسائل وأرخصها ..

وفكر القاضى فى نفسه ..
ـ وما الذى نعمله لنقطع هذا السيل المنهمر من الغش .. تضاعف العقوبة نجأر بالثواب والعقاب فى الآخرة .. لقد بح صوت الخطباء فى المساجد والكنائس ولا نتيجة ..

إن هذا يشبه الحملة إلى النظافة التى نشاهدها ونسمعها فى التليفزيون والراديو .. والتى أصبحت مضحكة ومدعاة إلى السخرية .. فبعد عشرات السنين من الفوضى .. والتسيب وسوء النظام نقول له الآن تنظم .. وتنظف .. وكفى ما كنت عليه من فوضى .

وكان الأستاذ عبد العظيم يسمع وهو يتحرك الشتائم البذيئة تخرج من الأفواه بسبب وبغير سبب .. وكان يسمع العراك .. ويرى سباق السيارات فى الشوارع إلى درجة جعلته يكره سيارته .. إنه يسمع بأذنيه الألفاظ التى يعاقب عليها القانون .. والتى تجر إلى السجن .. ويرى بعينيه فى كل خطوة يخطوها فى الشارع المخالفة التى تجر إلى العقوبة .. ولكنه لايستطيع إن يفعل شيئا .. إنه مقيد تماما لاحول له ولا قوة .

وكان من عادته إذا دخل المحكمة وهو ثائر الأعصاب مما رآه وسمعه فى الطريق .. أن يجلس نصف ساعة كاملة فى غرفة المداولة يشرب القهوة ويعاود هدوء نفسه .

***

وفى صباح يوم من أيام السبت دخل المحكمة صافى النفس .. ووجد أمامه عشرات القضايا .. أكثرها من المخالفات .. وكانت قاعة المحكمة الصغيرة غاصة بالجمهور ، فمع كل صاحب قضية الكثير من الأتباع .

ولكثرة القضايا فى ذلك اليوم ظل القاضى فى المحكمة حتى الساعة الرابعة مساء .

وبعد العصر قالت له زوجته وهى تقدم له طعام الغداء :
ـ فتحية .. جاءت لنا اليوم بموز ممتاز ..
ـ فتحية .. من هى فتحية ..؟
ـ البائعة التى تخدمنا منذ أكثر من سنة .. ألا تعرف اسمها ..؟
ـ والله ما عرفته .. وما سألتها قط .. فتحية .. فتحية ..
ورفع رأسه عن الطعام .. وتولاه السهوم ..
ـ مالك ..؟
ـ لقد مر اسم فتحية اليوم فى القضايا ..
ـ فتحية اسم متداول ..
ـ هذا صحيح ..
ـ ولكن ما نوع القضية ..؟
ـ مخالفة تسعيرة ..
ـ وحكمت عليها ..؟
ـ بالطبع .. الأوراق كاملة الاجراءات ..

قال القاضى هذا وهو يحاول أن يبعث السكينة إلى نفسه .. ولكن الشكوك ظلت تساوره ..

وظلت الزوجة قلقة فهى تعرف أن هذه البائعة مسكينة ولا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها ..

وقد تكون هى التى حكم عليها زوجها بالحبس والغرامة .. وجعلها الشك تنزل إلى الشارع لترى فتحية .. فوجدتها فى مكانها تبيع وبجانبها الأقفاص .. فتيقنت أنها ليست هى .. والتى صدر عليها الحكم هى أنثى غيرها .

***

وفى ظهر يوم وجد الناس فتحية البائعة .. واقفة وسط الشارع تصرخ كالمجنونة .. وبيدها ورقة ..

ـ حكموا علىّ بالحبس والغرامة .. وأنا لم أبع العنب .. خالفت التسعيرة فى العنب ياناس وما بعت العنب فى هذه السنة ولا هذا الموسم .. ماذا أفعل يا ناس يا مؤمنين ..؟

ـ زورى الحسين .. أقرئى فيهم الفاتحة فى الحسين ..
ـ أزور الحسين يا مساطيل .. يا تجار المخدرات .. يالمامة .. إنى أزور الحسين دائما .. هل هذا حل لمسكينة تربى ثلاثة يتامى .. لمن أتركهم يا مساطيل ..

وظلت المسكينة تولول وتصرخ فى جنون ..

***

ومر عليها واحد من الأفندية فتناول منها الورقة التى بيدها والتى كانت قد تسلمتها من المحضر فى صباح اليوم قبـــل أن تخرج من بيتها .. وقال لها الأفندى وقد عصره الألم ..
ـ يا ستى هذا حكم غيابى .. ويمكن المعارضة ..
ـ المعارضة .. الله يخليك .. ولا أحبس ..!
ـ أبدا بإذن الله لاحبس ولا غرامة ..

وتأمل الشاب وجهها كانت مليحة ووديعة تذيب قلب الجماد فى لوعتها ومحنتها ..

وقال لها برقة :
ـ وسأوصلك إلى محام .. يقوم بعمل كل شىء .. ولا يأخـذ أتعـابا .
ـ لا يأخذ أتعابا .. فى هذا الزمان .. الله ينصرك .. الله يخليك ..
ـ إن مكتبه قريب من هنا .. وسأكتب لك عنوانه فى ظهر هــذه الورقة .. والساعة السادسة مساء .. سأنتظر فى مكتبه ..

***

وفى الساعة السادسة وجدت هذا الأفندى فى انتظارها على الباب .. ودخل بها المكتب .. ورأت كاتب المحامى فى الصالة وحوله بعض أصحاب القضايا .

وجلست فتحية فى غرفة المحامى صامتة وطال جلوسها .. وكان الأفندى يقلب فى أوراق كثيرة أمامه ولما رفع رأسه سألته :
ـ أين المحامى ..؟
ـ أنا المحامى الذى حدثتك عنه .. يا ستى .. ولا تشغلى بالك ..
ـ الله يخليك ..
ـ وأنت .. ما بعت العنب ..
ـ أبدا يا بيه .. أبدا فى هذه السنة ..
ـ لفقوا لك قضية .. وما دمت لا تبيعين الأشياء المسعرة .. فقد وجدوها فى العنب ..
ـ أنا عارفه يا بيه .. ومن زمان يطاردنى .. ولكن كيف يحكم علىّ القاضى .. وأنا لم أذهب إلى المحكمة .. ولم يأخذ سؤالى ..
ـ القاضى أمامه الأوراق مستوفاة جميع الجراءات .. فلا بد من الحكم حضرت أو لم تحضرى .. وعبد العظيم بيه من أحسن القضاة عندنا ومشهور برقته وانسانيته ..

وسألت فتحية بسرعة لما سمعت اسم القاضى ..
ـ هو اسمه عبد العظيم بيه ..
ـ نعم ..
ـ إنى أخدمـه وأحمـل له الفاكهة إلى شقته .. فى عمارة الخشاب ..

فرد المحامى ليبعد عنها هذا الخاطر وإن كان على يقين أنه هو الذى تعنيه ..
ـ لابد انه تشابه فى الاسـماء .. وليس هو القاضى الذى تعرفينه ..

وقال المحامى لنفسه .. تقع هذه المسكينة فى الفخ الذى نصبوه لها .. وهناك مئات من التجار الجشعين يتاجرون فى قوت الشعب .. ويستغلونه بكل الطرق الشيطانية .. ويفلتون من قبضة القانون بوسائلهم الجهنمية .

***

ودون المحامى الشاب كل البيانات التى يعوزها للمعارضة .. وجعلها تعمل له توكيلا فى الشهر العقارى ودفع لها كل الرسوم واتخذ كل الاجراءات بسرعة .. ترك الكثير من القضايا إلى أجلها .. وتفرغ لهذه القضية .. كان وجه المرأة المسكينة التى تعول ثلاثة يتامى يتحرك أمامه فى كل خطوة .

وكان يعرف المآسى التى تحدث من الحكم الغيابى .. والوسائل الجهنمية التى يلجأ اليها أصحاب العمارات فى هذه الأيام لطرد السكان .. فالساكن فى الجيزة يعلنونه فى طنطا وفى قليوب .. ويوجدون له عنوانا مفتعلا ..

وكم تصدع رأسه من شر هذه الوسائل .. والتى يقع فى حبائلها غالبا السكان الذين يعملون فى الخارج والمسافرون لمدد طويلة .

***

ولما تحدد يوم الجلسة بكر فى الذهاب إلى مسكنها .. وكانت تشغل غرفتين فى بدروم .. وتلقته فى جلبابها الأسود والطرحة على رأسها .. وكأنها ترى ملاكا هبط عليها من السماء فى هذا العالم الذى تتحرك فيه الشياطين وتسيطر .

وقالت وهى خجلى :
ـ تفضل يا بيه ..
وقدمت له كرسيا .. فجلس حتى لا يجعلها تشعر بالخجل .. وظهر اليتامى أمامه فى لحظات سريعة لأن أمهم أغلقت عليهم الباب بسرعة .. وفكر فى مصيرهم بعد حبس أمهم ..

وقدمت الشاى فقال وهو يتناوله من يدها :
ـ جلسة المعارضة فى يوم الإثنين ..
ولاحظ الذعر على وجهها .. فأكمل
ـ وسأنتظرك على باب المحكمة قبل التاسعة صباحا .
وقالت وهى تبكى :
ـ سأذهب وأزور الحسين .. وأدعو لك يا بيه .. الله ينصرك .. الله يخليك ..

ولما خرجت وراءه إلى الطريق .. وركب سيارته وهى تبكى .. لم تكن تدرى أبكت لإنسانيته التى هزت مشاعرها .. أم لمصيرها الذى لم تكن تعرفه ولا تدرى ما يفعله بها القدر فى ذلك اليوم ..
=================================
نشرت القصة بصحيفة أخبار اليوم المصرية فى 2581984
=================================

ليست هناك تعليقات: